شريف عطية

مصر والحروب الباردة بين الأمس واليوم

شارك الخبر مع أصدقائك

مضت نحو 25 قرناً من الزمان، تبادلت فيها الإمبرياليات العالمية خلالها مقادير مصر – بشكل أو آخر – قبل أن تستخلص كامل استقلالها منتصف خمسينيات القرن العشرين، ولتدخل على الفور فى صراعات سياسية وعسكرية مع قوى الغرب الرافضة لاستبعادها كمنطقة نفوذ تقليدية لاستراتيجيتها، ذلك عبر ثلاث حروب من خلال كنزها الاستراتيجى – إسرائيل – فى أقل من عقدين قبل أن تفض القاهرة تسعة عشر عامًا من الصداقة والتعاون مع موسكو 56-1975بالتزامن مع ارتدادها إلى داخل إطار الاستراتيجية الغربية، لا تزال مصر منذ ذلك التاريخ فى أتون إرهاصات تلك الحقبة التى تزيد على سبعة عقود من استئناف حالة التشويش التى اعترت النزعة الوطنية الثورية فى أعقاب ما أفرزته الحرب العالمية الثانية من حروب ليست غير باردة بين القوى العظمى على مسرح عمليات منطقة الشرق الأوسط.. التى سبق أن شهدت حالة من الاستقرار النسبى فى الفترة ما بين الحربين 1918-1939.. بمقتضى تقسيمات اتفاقية سايكس – بيكو بين بريطانيا وفرنسا 1916 التى أبدت الاهتمام بالمشاركة المتزايدة لشركات النفط متعددة الجنسية فى المنطقة، وبازدياد الاعتماد الأمريكى عليه (ثلثى المخزون العالمى من النفط)، انعكست أهميته المرتبطة فى الوقت نفسه بالتنافس القائم فى الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى 1947-1989، وما خلّقته نهايتها من بيئة إقليمية جديدة تشكلت عبر حروب الخليج الثلاث.. منذ نهاية الثمانينات (الحرب العراقية الإيرانية – حرب تحرير الكويت – غزو العراق 2003)، مروراً بمؤتمر مدريد العالمى للسلام 1991 إلى اتفاقتيى «أوسلو» و«وادى عربة» بين إسرائيل وكل من السلطة الفلسطينية والأردن منتصف التسعينيات إلى انتفاضة الأقصى 2000 .. إلى صعود النزعة الإسلامية المعادية للعولمة الأميركية (أحداث نيويورك سبتمبر 2001 قبل الغزو الأميركى لكل من أفغانستان والعراق)، وحيث تلتقى المشكلات القديمة بالجديدة.. ويمتزج التاريخ بالسياسة امتزاجاً تامًّا، كما ويحتدم الصراع العسكرى مع الأمل فى السلام جنباً إلى جنب ، ما أسفر عن الوجه الغاشم للإمبريالية الأميركية التى أدانها الرئيس الروسى بشدة فى 2006، لتبدو من جديد نذر استئناف الحرب الباردة بعد نحو 15 عاماً من هدنة مؤقتة بينهما، ومن قبل سنوات لتوسعها عبر الحرب التجارية بين واشنطن وبكين منذ 2018، ذلك بالتزامن مع مرور قرن كامل على النوايا المثالية للرئيس الأميركي «دودرو ويلسون»، ونقاطه الأربع عشرة فى 1918 الخاصة بتقرير مصير الشعوب ، والتى انتهت بواقعية إمبريالية لمواجهات لاحقة مع كل من النزعات القومية إلى بناء الدول الوطنية فى مختلف أقاليم العالم بما فيها الشرق الأوسط، مما كانت لها نتائج مرضية غير متوقعة.. سواء بالنسبة لكل من الولايات المتحدة والمنطقة على السواء، فاقمتها أهداف محددة تنافسية مع بدايات جديدة للحرب الباردة.. وما ارتبط بها من قضايا إقليمية تكشف عن الانفصام القيمى لأطراف الحرب الباردة تجاه دول العالم الثالث التى تعانى من جانبها طوال السبعين سنة الفائتة مما يدور من صراع دولي هو فى ظاهر الأمر، بين الأيديولوجيا.. والجغرافيا السياسية ، أو من توليفة تمزجهما معًا، فيما تقف مصر.. على سبيل المثال كنموذج لدول العالم الثالث .. منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، ولأسباب تتصل بنوازعها الوطنية.. وبالصراع مع إسرائيل (قرة قوز – «أراجوز» الإمبريالية الغربية وفق تعبير القادة السوفييت).. للتزود بتسليح جيشها من الاتحاد السوفيتى.. ما أفضى إلى تورطها داخل حرب باردة بين القوتين العظميين ، لا ناقة لمصر فيها ولا جمل، إذ تدور بينهما بعقلية الغالب والمغلوب – شعاراً وفكرة – بين الوحوش الإمبريالية التى تتحين الفرصة لمحاصرة والقضاء على أول بلد للبروليتاريا فى العالم (إحدى توصيات «اللجنة الثلاثية» المكونة من دول شمال أميركا وغرب أوروبا واليابان)، أى بفرضية من سيهزم من؟ ذلك قبل أن تلحق الهزيمة بمصر 1967.. فى إطار تغيير توازن كل من القوة الكونية، وفى الشرق الأوسط ، سواء فى المجال العسكرى أو السياسي، ومن خلال صراع التفوق بين الرأسمالية، الاشتراكية ، وهو الصراع الذى لم يكن فى واقع الأمر سوى تشدد أيديولوجى سطحى بقدر ما كان يتحرك بالضرورة من خلال السعى للتوسع الجيوسياسي .. اقتصادي، الأمر الذى دفع السوفييت للإسراع بإعادة بناء القوة العسكرية لمصر.. لموازنة التوسع الأميركى الجغرافى (الطارئ) فى تلك المنطقة على الحدود الجنوبية الحساسة للاتحاد السوفيتي، لكن مع الحيلولة فى الوقت نفسه دون تكرار ما اعتبروه عجز العرب عن استخدام الأسلحة التى يتلقونها بتعليمات من قادة الكرملين الذين يأخذون اعتبارات الرأى العام وقتئذ فى حساباتهم.. كما الحال من بعد 2017 بالنسبة لمنع تشغيل الطائرات الروسية فى الأجواء المصرية عقب الإسقاط الإرهابى لطائرة ركاب روسية فوق سيناء.

فى هذا السياق من السبعينيات، وفى إطار تعقيدات قضية الحرب والسلام.. والمتغيرات التى طرأت على مسارها منذ لجوء مصر إلى الاتحاد السوفيتى منتصف الخمسينيات، يجرى التحول الاستراتيجى فى اتجاه الولايات المتحدة التى بيدها جُلُّ مفاتيح السلام على جبهة سيناء.. العصيّة فى ذلك الوقت عن التحرر بالكامل عسكريًا من الاحتلال الرابض على صحاريها منذ 1967، نظرًا لمحدودية ونوعية إمدادات السلاح السوفيتى لمصر مقارنة بالجسر الدائم الممتد إلى إسرائيل بالسلاح الأميركى الأكثر تقدماً، الأمر الذى لم يغب عن واشنطن توظيف احتياج القاهرة لجهودها الدبلوماسية أعقاب حرب أكتوبر 1973، كى تؤكد على القاهرة فى يناير 1974، كما فى أكتوبر 1981 تطبيق تحفظاتها Negative points بالنسبة للحرب الباردة ، على علاقات مصر الإقليمية والدولية مع الدول والأنظمة الراديكالية، فى مقدمتها الاتحاد السوفيتي، الأمر الذى اعتبرته موسكو بعد فض القاهرة 1975 لمعاهدة الصداقة والتعاون بينهما.. بمثابة «خيانة للعهد» من جانب مصر أصابت فى الصميم الهيبة القومية الروسية، ولو أن «طرد» السوفييت من مصر كان يمثل رغبة أميركية ثابتة، إلا أن أسلوب القاهرة لانفضاض العلاقة (المستهجن) مع حليف وقف إلى جوارها أوقات الأزمة والشدائد.. لا بد وأن يثير لدى واشنطن شكوكًا بشأن التزام مصر بمقتضيات الصداقة، كان من الطبيعى أن ينعكس بالسلب على أسلوب التعامل الأميركي (الخشن) مع مصر فى العقود التالية، انقطعت خلالها – بالتوازى – أواصر علاقاتها بين القاهرة وموسكو.. إلى أن اتصلت على استحياء مع انتهاء الحرب الباردة 1989، قبل أن تعود أقرب ما تكون إلى عصرهما الذهبى فى 2013 – منظومة 2+2 بين وزيرى الخارجية والدفاع فى البلدين – ذلك فيما لم تعد الأيديولوجيا تمثل حائلًا بين روسيا «المنفتحة».. وثوابت الحرب الباردة المتجددة مع أميركا فى العقد الأخير، إلا من السجال الجيوسياسي.. اقتصادى بينهما بعدما نسوا ماركسيتهم منذ الحقبة التالية لـ«جورباتشوف»، حيث انفتحت أمام موسكو منذئذ أبواب العلاقات مع العديد من دول المنطقة، فيما تنحسر تدريجيًا صورة الولايات المتحدة ونفوذها، لأسبابها، لولا أن الحرب الباردة المستحدثة بينهما وبين الصين فى السنوات الأخيرة، ربما تسطر إلى جانب روسيا.. إضافات غير متوقعة فى علاقة مصر المتجددة بالحرب الباردة بين الأمس واليوم.

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »