شريف عطية

مصر والحروب الباردة بين الأمس واليوم (3-3)

شارك الخبر مع أصدقائك

اتصفت العقود السبعة الأخيرة التى تداخلت فيها مصر مع تعقيدات الحرب الباردة- رغم صعوبتها- كونها على درب شبه مستقيم.. تحدده خطوط واضحة المعالم بين التحالف والخصومة (نصادق من يصادقنا.. ونعادى من يعادينا)، ذلك على غير الحال التى أصبحت عليها راهنًا التحركات الدبلوماسية الدولية فى السنوات الأخيرة، نظراً لتعدد الأطراف والكتل المتنافسة.. ما بين القوى الكبرى والتكتلات الجيوسياسية المستحدثة، ناهيك عن الاقتصادات الصاعدة، إذ تمضى الصراعات المتنافسة عبر خطوط متشابكة متعرجة، ما إن تستقيم إلا وتعاود المناورة من جديد، حتى ليصعب التمييز من أين تبدأ وإلى أين تنتهى، ومتى، سواء ما بين الصدام أو الانفراج المحدود وغير المحدود أو باتجاه الوفاق من عدمه، خاصة ما بين الأطراف الثلاثة الرئيسية التى تشكل مع مصر أضلاع مثلث الحرب الباردة.. ما بين الولايات المتحدة (1974)، وروسيا (1956)، والصين (1955)، وهى المحتدمة تنافساتها ما بين حروب تجارية إلى تصديات مباشرة أو بالوكالة.. فى العديد من أقاليم العالم، بما فيها منطقة الشرق الأوسط.. ومصر فى مركز دائرتها.. ذلك من واقع تحفظات القاهرة – على سبيل المثال- للحرب التى تدور منذ 2011 فى العديد من دول المنطقة (سوريا- ليبيا.. إلخ)، حيث تتبادل الولايات المتحدة وروسيا استخدامهما لكل من الورقة الإيرانية والتركية، لحسابهم، ولغير صالح الأمن القومى العربى والمصرى، وفى الوقت التى تعزف الصين عن التدخل الخشن- كما موسكو وواشنطن.. إلا من جهودها الدبلوماسية والاقتصادية المعنية تماماً بنفط المنطقة وطرق مواصلاته البرية والبحرية، وبحيث يجوز القول فى هذا الإطار بصراع أميركا مع الصين- ومحاصرتها- من خلال توقيع العقوبات الاقتصادية على إيران، كما عن انزلاق روسيا لنقض تحالفها السابق مع النفوذ الإيرانى فى سوريا.. ربما للتقارب مع الموقف الإسرائيلى، وإرضاءً لسياسة الولايات المتحدة فى هذا الشأن، ذلك فى الوقت الذى تعزز تركيا وجودها فى ليبيا بالمخالفة مع الموقف الروسى فى الساحل الغربى الليبى، وبتشجيع غير مباشر من واشنطن ذات العلاقات الأطلسية مع أنقرة.. التى تتراوح علاقاتها مع موسكو منذ 2015 فى الجبهة السورية ما بين الصدام أحياناً.. وتوافق الأهداف فيما بينهما أحياناً أخرى، ذلك فيما تسعى إسرائيل من جانب آخر للاستفادة لصالحها من كل هذه التناقضات فى الحرب الباردة القائمة على مسرح عمليات الشرق الأوسط، وحيث يمثل النفط إلى جانب أمن إسرائيل، واحتواء أى قوى منافسة أو غير صديقة من السيطرة لحساب الآخر على المنطقة، أهم القضايا التى يدور حولها الصراع بين أطراف الحرب الباردة، خاصة فى منطقة الخليج- كأكبر مصدر موحد للنفط فى العالم، والتى تمثل فى الواقع ثلثى احتياطات العالم المثبتة من النفط، بحيث لا يمكن تجاهل الأهمية الاستراتيجية لتلك الحقيقة، خاصة لأنها تمثل بالنسبة للصين المورد الرئيسى لاحتياجاتها البترولية.

على صعيد موازٍ، يحتدم الصراع حول النفوذ الكونى بين كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين، خاصة فى مجال السعى إلى قصب السبق فى عسكرة الفضاء (حرب النجوم التى استنَّت واشنطن استراتيجيتها فى الثمانينيات، وأدت المنافسة بينها وبين موسكو إلى استنزاف الاتحاد السوفييتى، ومن ثم إلى تفكيكه، الأمر الذى ليس من المستبعد تجريبه أميركيا مع الصين مجدداً.. وبهدف توظيف التقدم التكنولوجى الأميركى لموازنة قلق الولايات المتحدة لكل من الترسانة العسكرية والانبهار الاقتصادى للصين، وفى حرب ليست غير باردة بالمطلق، لن تكون روسيا فى واقع الأمر بعيدة عنها، سواء فى المحور الآسيوى أو الشرق الأوسط، ما يلقى على مصر مسئولية المتابعة الحصيفة لكل من التحركات الخارجية لأطراف الحرب الباردة، وما يدور بالنسبة لتطور أوضاعها الداخلية، ولتتخذ من ثم مواقف حيادية بين العواصم الثلاث العظمى التى ترتبط القاهرة مع ثلاثتهم- بشكل أو آخر- بعلاقات وثيقة، من الواجب أن تسعى من خلالها إلى أن يظل الكوب مليئاً دون أن يتسرب منه الماء، واضعة فى الاعتبار تجاربها مع تطورات الحرب الباردة بين الأمس واليوم.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »