حازم شريف

مصر‮ ‬2011‮… ‬بداية عهد الحكم الآسيوي

شارك الخبر مع أصدقائك

بقلم -حازم شريف:

يجب علي قادة الصين أن يدركوا، أنهم إذا لم يسمحوا، بقدر أكبر من الحرية السياسية، فإن جميع جهودهم لتحديث الصين، وإلحاقها بالعالم المتقدم، ستبوء بالفشل. وإذا سمحوا بذلك، فإن كثير من الأسئلة، يمكن توجيهها عن قانونية أو شرعية حكم الحزب الشيوعي للصين. ومن الغريب، أنه إذا سمح قادة الصين، بإجراء مثل هذه المناقشة الحرة، فقد ينتج عنها تفاهم، بأن حكم الحزب الشيوعي للصين، كان شرعيا، لأنه أدي إلي رفع مستويات المعيشة بمعدلات عالية.  وإذا تم تقييم جوانب القوة والضعف للحكومة الحالية، فسيتبين أنها الأفضل، مقارنة بالحكومات المختلفة التي تعاقبت علي الصين«

من كتاب »نصف العالم الآسيوي الجديد«.. للمفكر والديبلوماسي السنغافوري المعروف كيشور محبوباني

لعل تلك العبارات السابقة، تجسد بوضوح، جوهر ما يمني به، رجالات الحزب الوطني الديمقراطي أنفسهم بعد عشر سنوات من الآن.

علي مدار السنوات العشر الماضية مرت حالة المزاج العام، تجاه مسألة الاصلاح السياسي في مصر، داخل دوائر صنع القرار في الحزب الحاكم، بتقلبات عدة، تحت وطأة ضغوط وتحديات داخلية وخارجية.
 

عشية القرن الواحد والعشرين، كان الجمود قد استوطن الحياة السياسية لمدة عقدين من الزمان، تطور فيها إلي الخلف نموذج الديمقراطية المتدرجة، الذي روج له الرئيس الراحل أنور السادات في منتصف السبعينيات، ليفقد مسماه الديناميكي، ويتحول إلي جثة هامدة استاتيكية، تحمل عنوان الديمقراطية المقيدة – تحت شعار الاستمرار من أجل الاستقرار-، لاح للبعض حينها انها علي وشك الدخول بالبلاد إلي نفق مظلم.
 
ولم يكن الاقتصاد المصري أفضل حالا، فبعد تحسن طفيف في منتصف التسعينيات في عهد حكومة الجنزوري، لم يلبث أن داهمته تداعيات الأزمة المالية لدول جنوب شرق آسيا، قبل أن تعاجله حكومة الدكتور عاطف عبيد بالضربة القاضية، وسط تفجر فضائح للفساد داخل القطاع المصرفي، دفعت الحكومة للمزيد من الانكماش.
 
ولاشك أن مناقشات عديدة قد جرت في دوائر الحزب مع مجيء جماعة الحرس الجديد إلي قمته في نهاية التسعينيات، شملت طبيعة الاصلاحين الاقتصادي والسياسي المأمولين.
 

وفي عالم اقتصرت فيه الخيارات علي اقتصاد السوق، وبسبب طبيعة فرقة الاصلاح ذاتها، التي تشكلت نواتها الرئيسية من العشرات من رجال الأعمال والمال وعدد من الأكاديميين درسوا بجامعات الغرب، لم يكن الأمر شائكا فيما يتعلق بالاقتصاد، كان كل ما يتطلبه، هو وضع التصورات والأوراق والخطط والمراحل، لإجراء تعديلات هيكلية، تصب نحو فتح الأسواق وتحرير الاقتصاد، بكل ما يستلزمه ذلك، من تمرير تشريعات وسن قوانين وإنشاء أجهزة تنظيمية ورقابية جديدة.
 

أما فيما يتعلق بالاصلاح السياسي، فكان أن احتدم الجدل بين فريقين، أحدهما بحكم النشأة والتكوين في كنف الاتحاد الاشتراكي، يرفض أي نوع من التغيير بحجة الحفاظ علي الاستقرارين الأمني والسياسي، وفريق ثان أغلبه من عناصر الفكر الجديد- الاكثر تمازجا بالثقافة الغربية-، يرون ثمة حاجة، إلي إحداث تغيير ما، في اتجاه تحريك المياه السياسية الراكدة منذ أمد بعيد.
 
والحقيقة أن كلا الفريقين لم يخترع هذا الجدل، فقد كان مطروحا بحدة علي الساحة الدولية، قبلها بعشر سنوات علي الأقل، مع انهيار الامبراطورية السوفييتية، الذي فجر أسئلة، لم تحظ حتي كتابة هذه السطور بإجاباتها النموذجية، اسئلة من عينة أي الإصلاحين يسبق الآخر السياسي أم الاقتصادي؟ وهل يجب أن يسبق أحدهما أصلا؟ وإذا كان فبأي قدر؟ ومتي يلحق الثابت بالمتغير؟ وهل من الممكن المضي في الاصلاحين معا علي التوازي؟.
 

وقد ساعدت الضغوط الامريكية، في عهد ادارة بوش الابن، علي العديد من الأنظمة العربية، أعقاب أحداث 11 سبتمبر، في زيادة حدة الجدل، وبدا أنه لم يعد من الممكن ابقاء الاصلاح السياسي، مرفوعا من الخدمة، أكثر من ذلك.
 
وانعكست تلك الضغوط بدورها علي الشارع، فظهرت الحركات الاحتجاجية لأول مرة مع تأسيس حركة كفاية، وسارعت قوي سياسية آخري للنشاط في مقدمتها جماعة الاخوان المسلمين وحزب الغد وفصائل اليسار، وتباري العديد من الصحف ووسائل الاعلام الخاصة، في رفع سقف هامش حرية الحركة والتعبير المتاحين، ونجمت عن ذلك احاطة أنشطة القوي السياسية بهالة اعلامية، عجزت معها الدولة علي التصدي للمعارضة، بعنفها المعهود في مثل هذه الحالات، في ظل الضغوط الخارجية.
 
وجاءت التعديلات الدستورية والتي سمحت بانتخاب رئيس الجمهورية بين أكثر من مرشح-رغم ما شابها من قصور، لتعكس تجاوبا ولو بقدر يسير من جانب الحزب الوطني مع مطالب الإصلاح. تواكب معها قدر كبير من الصخب شهدته الانتخابات نفسها في سبتمبر 2005، نصب فيها ما يشبه الكرنفال السياسي في البلاد، مؤتمرات وبرنامج انتخابي وشكل جديد للرئيس، يقابله مؤتمر لأيمن نور تنقله شاشات عملاقة في ميدان التحرير، وآخر للدكتور نعمان جمعة في بورسعيد يخدش فيه حياء المواطنين بألفاظ بذيئة، ومشاهد لمرشحين رئاسيين مغمورين، ينقلون نصف المليون جنيه المخصصة لكل مرشح في أكياس بلاستيكية!
 
الخطوة الثانية تجاه الإصلاح، جاءت في نوفمبر من العام نفسه، مع تخفيض قبضة الدولة علي صناديق الانتخابات البرلمانية، والسماح لجماعة الاخوان بخوض الانتخابات بعدد 150 مرشحا، نجح منهم 88 بنسبة نحو %60، وهي نسبة حقق نصفها بالكاد مرشحو الحزب الوطني الأصليون، قبل ضم المستقلين.
 
ولكن ما بين عامي 2005 و2010، جرت مياه كثيرة في مجري الحياة السياسية في مصر. ولا يمكن اختزال ما جري خلال السنوات الماضية، فيما يحلو للمهندس أحمد عز أمين التنظيم للحزب الحاكم، أن يصور لنا عليه الوضع، من أن حزبه في 2010 يختلف عن الحزب في 2005. الحقيقة أن توجه النخبة الحاكمة تجاه مسألة الاصلاح السياسي برمتها هو الذي تغير.
 

إن كل التكتيكات الناجعة التي أعلن الحزب، علي لسان أمين تنظيمه، أنه قد ابتكرها لخوض الانتخابات البرلمانية الآخيرة، هي في جوهر الأمر لم تختبر، ببساطة لأن الدولة قد عادت في 2010 إلي ادارة الانتخابات بنفس الأساليب القديمة، بل بدرجة أسوأ من الابتذال، في ظل غياب الاشراف القضائي، واسناد المهمة إلي مجموعة الموظفين، اكتفت في أفضل الأحوال، بمراقبة مايحدث من ممارسات منافية لآداب الانتخابات داخل اللجان، وشاركت فيها في أغلب الأحوال.
 
فلا استقصاءات الرأي التي أجراها الحزب علي نحو2 مليون شخص قبل الانتخابات هي التي جعلته يحصد مقاعد البرلمان، ولا تطوير آليات اختيار مرشحيه، ولا حتي تكتيك الدوائر »المفتوحة«، الذي تم تقديمه من قبل مسئولي الحزب، علي أنه بمثابة تكتيك انتخابي يجب تدريسه في أرقي كليات ومعاهد العلوم السياسة… فالدوائر كانت قد، فض غشاء بكارتها بالفعل، في »بروفة« انتخابات مجلس الشوري التي جرت في نفس العام، وربما قبل ذلك بأمد طويل ـ وعلي مراحل ـ داخل أروقة صنع القرار!
 
فعقب صدمة انتخابات 2005، وضح أن الكثيرين بأجهزة الدولة والحزب المختلفة غير راضين عما يحدث. رد الفعل الفوري، جاء مباشرة في العام التالي، من خلال تعديلات دستورية وتشريعية، أضفت المزيد من عدم الشرعية علي جماعة الاخوان المسلمين »المحظورة« من الأساس، وبات »المحظورة«، هو الاسم »الشرعي « للجماعة، عند تغطية أخبارها، أو بالأحري تجريسها في وسائل الاعلام الحكومية، في رسالة لا لبس فيها، بأن اليوم لاعلاقة له بالبارحة.
 
الأخطر أن نوعا من المراجعة، بدأ صداه يتردد في أوساط الحكم سرا وعلانية، فازدهرت تدريجيا أفكار ومقولات من عينة »أن الشعب المصري غير ناضج ديمقراطيا«، »لايوجد طلب علي الديمقراطية في مصر، فاستقصاءات الرأي، تظهر أن تحسين مستوي المعيشة علي قمة أولويات المواطن، ولا يعير أي اهتمام بالاصلاح السياسي«.  كما تواترت بمعدلات كبيرة انتقادات حادة لما أطلق عليه، »الصحافة السوداء«، و»الفوضي الاعلامية«.
 
وتغذت هذه الأفكار وترعرعت مع كل أزمة أو انتكاسة واجهتها الحكومة مع الرأي العام علي مدار السنوات الخمس الماضية، فضيحة العبارة، قضية طلعت مصطفي، خصخصة »عمر أفندي«، الكوارث المتتالية بمرفق السكة الحديد، مشروع الصكوك الشعبية، تصدير الغاز لإسرائيل، أزمات طوابير المياه والخبز، مناقشات قانون منع الاحتكار، إدارة ملف مشكلات الأقباط والفتنة الطائفية، وغيرها.
 
في البداية كانت الظروف مواتية، لتغليب كفة عدم التقييد والسماح بهامش أكبر من الحرية، ولقد أسهم بذلك دون شك، الحيوية التي جاءت بها حكومة الدكتور أحمد نظيف في سنواتها الأولي »2004 حتي سبتمبر 2008«، في ظل طفرة هائلة شهدها الاقتصاد العالمي، مكنتها من تحقيق العديد من النجاحات مع التوسع في إجراءات الاصلاح الاقتصادي، كان أبرزها تجاوز معدلات النمو حاجز الـ%6 ثم %7، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة بصورة غير مسبوقة في تاريخ الاقتصاد المصري. وزيادة الانفاق الاستهلاكي، واستقرار القطاع المصرفي، وانتعاش قطاعات العقارات وتكنولوجيا المعلومات والسياحة وسوق المال.
 

إلا أن انهيار الاقتصاد العالمي في اواخر عام 2008، أدي لتداعيات بالغة علي طموحات حكومة الحزب الوطني الاقتصادية، فسادت حالة من الاحباط، أخرجت إجهادا مكتوما بين أعضائها إلي السطح. ولا أحد يتوقع من محبط ومجهد أن يتحلي بسعة الصدر!
 

من يتابع عن قرب مسئولي الحكومة خلال العامين الماضيين، وبصفة خاصة وزراء الحقائب الاقتصادية، لا يمكنه أن يتجاهل رصد هذه الحالة المركبة من الإحباط والإنهاك، فأغلبهم لم يقدم علي الالتحاق بالحكومة ليجادل في السياسة، وإنما لكي يجتهد في تنفيذ برنامج للاصلاح الاقتصادي، كان يظن- في مرحلة المراهقة السياسية- أن أغلبية الحزب، تؤمن له تمريره دونما اعتراض يذكر، أو تظاهرات وتحرشات شديدة القسوة في الشارعين السياسي والاعلامي.
 

ومن رحم هذه الحالة تحديدا، أعادت تساؤلات جدوي الإصلاح السياسي طرح نفسها من جديد علي الساحة، يصاحبها هذه المرة، عقد مقارنات مع عدد من تجارب النمور الآسيوية، كالصين وسنغافورة وغيرها، حيث ينتعش الاقتصاد، وينمو بصور غير مسبوقة في التاريخ البشري، دون أن يصاحبه بالضرورة، فتح الباب للحريات السياسية. وحيث يرفع شعار دعه يعمل، دعه يمر، دعه يرفع مستوي معيشته و»يشتري سيارات وأجهزة تكييف جديدة«، دعه يمارس حريته الاجتماعية، ولا تدعه يتدخل في شئون السياسة.
 

وللمرة الأولي تتلاقي الرؤي بين الحرسين القديم والجديد حول ضرورة وقف عروض السيرك السياسي، الأول تدفعه بالأساس تنشئته السياسة في عهد التنظيم الواحد، والثاني تقوده اعتبارات برجماتية خالصة، لانتهاز فرصة تلوح في الأفق، للعودة لتسريع معدلات النمو الاقتصادي، وهي فرصة قد لا تنتظر اهدار الوقت في المزيد من الجدل السياسي.
 

إن الخطأ الرئيسي في تحليل قوي المعارضة للكيفية التي ادارت بها الدولة للانتخابات التشريعية الأخيرة، وما سبقها من اجراءات واضحة لتقييد هامش حرية التعبير الإعلامي المتاح، يكمن في اصرارها علي اجترار نفس التفسير الكلاسيكي: الحزب الوطني يمهد الساحة لمرشحه في انتخابات الرئاسة القادمة في أواخر 2011.
 

في تقديري أن ذلك لا يصلح لتفسير ما حدث -وما سوف يحدث – أو علي الأقل ليس السبب الرئيسي. ليس لاعتقادي في أن الحزب الوطني قد أصبح خيرا بالطبع، ولكن لإيماني الشديد بأن الحزب- بغض النظر عمن يكون مرشحه القادم- قد حسم خياراته لبضع سنوات علي أقل تقدير، فيما يتعلق بجدول الاولويات. . الاقتصاد ثم الاقتصاد فالاقتصاد.
 
لقد كان لافتا للنظر أن الحزب لم يكتف بإقصاء الاخوان من تحت قبة البرلمان، بل كل رموز المعارضة الصاخبة، بما في ذلك المحسوب منهم علي الدولة، واستبعد وأسقط من مرشحيه، ليس فقط كل من يعارض من داخل الحزب، بل من تبدو عليه شبهة المعارضة، أو حتي لا يوافق علي النحو اللازم!
 
باختصار الحزب لم يكن في حاجة إلي مثل هذا »الاخصاء« الشامل، لتمرير مخططه للتوريث أو نقل السلطة، وإنما لتنفيذ برنامج هذا المرشح دون أي صخب أو ضجيج، يعرقل مسار النمو الاقتصادي.
 
إن ما جري في 2010 قد حدد مستقبل الاصلاح السياسي في مصر خلال السنوات المقبلة. بمنتهي الوضوح، لقد تم احالته إلي الرف إلي حين إشعار آخر.
 

بيد أن تحديات هذا الخيار »الآسيوي« في الحكم ذاته ليست باليسيرة، كما قد يتخيل البعض. فنظام التعليم في مصر علي سبيل المثال، يبدو كعربة »كارو« خشبية يسحبها حمار مريض متكاسل، تتسابق مع سيارة فيراري، وذلك إذا ما تجرأت علي وضعه قيد المقارنة مع نظيره الصيني الذي يكاد يتفوق علي نظيره الأمريكي. ناهيك عن ذلك، فإن نسبة تتراوح ما بين السدس والخمس من الطلاب ـ وفقا للدكتور طارق حجي الكاتب المعروف ـ في مصر يتلقون تعليما دينيا، لا يؤهلهم للدخول في سوق العمل الذي يحتاج اليه اقتصاد يسعي للتحديث والنمو بنسبة %8. وبالتأكيد فإن أي محاولة لتغيير مثل هذا الوضع فقط، تقابلها تحديات تمويلية وثقافية واجتماعية وسياسية وأمنية، في دولة تخشي أجهزتها إلي حد كبير سطوة التيارات الدينية.
 
في التجربة الآسيوية أيضا، يوجد مبدأ الجدارة والاستحقاق، أي تصعيد الكوادر وترقيتهم من جانب الحكومة والقطاع الخاص وفقا للاعتبارات الكفاءة. ولك أن تتأمل كمثال، ما يقوم به الحزب الوطني في مواسم الانتخابات من توزيع للوظائف وفرص العمل لاستمالة الناخبين والعشائر والقبائل، لتعلم أين نحن من ذلك المبدأ المهم!
 

المشكلة فيما أقدم عليه الحزب الوطني من استحسان للنموذج الآسيوي، تتجسد في اختياره طريقا محفوفا بالمخاطر، له نهايتان لا ثالثة لهما، إما النجاح في اجراء التغييرات الهيكلية المطلوبة في بنية المجتمع ذاته، بخلاف استكمال الاصلاحات التشريعية والتنظيمية والمالية اللازمة، حتي يتسني الوصول إلي تحقيق معدلات نمو متسارعة ومستمرة خلال السنوات المقبلة، تساعد علي خلق طبقة وسطي قوية داعمة للاصلاح… وإما الانفجار!
 

وبمناسبة العام الجديد.. أتمني ألا نصل للنهاية الأخيرة.

شارك الخبر مع أصدقائك