محمد بكري

كيف تفشل بنجاح؟

شارك الخبر مع أصدقائك

تقابلنا مؤخرا مع صديق متعجب من عدم تجديد إحدى الشركات الكبرى لمديرها التنفيذي، بعد تحقيقه للشركة فى 3 سنوات أرباحا لأول مرة منذ تأسيسها من 17 سنة، وتهييئها لقفزات عالية! فالمفترض هو العكس، باستمراره ليكرر ويراكم النجاح، ولكن ما حدث مستغرب! والأغرب أن من خلفه يتراجع بها ومستمر للآن باطمئنان؟

عقب صديقنا الثالث: بل الشركة كانت قوية وغنية، ونتيجة لترامى أنشطتها، تفرق مالها بين الإدارات وفلتت بعض أراضيها من قبضتها، فاستدعت هذا المدير لمهمة محددة أنجزها، لتكمل مسيرتها برؤيتها.

فعقب المتعجب مدافعا: ولكنه وجد زخما من الفوضى وعلاقات العمل المهترئة والملفات الآسنة والعمالة الزائدة والاختراق الكامل، والاستهانة بقدامى الموظفين وإحباط الكفاءات، وإدارة المصالح بنظام الريموت، بالحرس القديم وجبر الخواطر وتسوية الحسابات لاقتناص الإدارة وعيش الكفاف من خدمات ضعيفة، بخلاف الصراع مع صغار المساهمين ورعاية إدارة الأمن للجميع، كما لو كان الهدف حفظ المرض لا تحقق الشفاء!

ابتسم الصديق الثالث وقال: لا تنسَه فى مذبحة العمالة الزائدة وضم القطاعات وضغط المصروفات وتجميع الوظائف، وتغيير طريقة الإدارة وتقليص مقاولى الباطن، وتطوير الوصف الوظيفى لأغلب الوظائف وفرض الإدارة بالنتائج والتقارير وتحجيم إدارة الأمن، وقطع ريموت التدخلات الخارجية إلخ، ومع ذلك مازلت مقتنعا بأن الشركة فقط هى الأمينة على مصالحها وسيدة قرارها، يكفى أنها لم تجُر عليه ماليا أو وظيفيا.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1198)

عبس الصديق المتعجب وقال: بصراحة لا أعلم من منهما أخفق فى مهمته؟ هل الشركة فشلت فى تبصر نجاح المدير وكان يلزمها تطويع مصالح جميع المساهمين بمن فيهم صغارهم، وتفعيل خطط التطوير التى وصل لها المدير، ومنحه فرصة إكمالها بمزيد من النجاح للشركة، ثم تقرير الاستقلال بالمكاسب واستكمال رحلتها برؤية أكثر نجاحا؟ أم أن المدير فاته فى تطوير نموذج إدارته العلاجى المحترف، أن يمنح إيجابياته بالتنقيط، لمجتمع يعرف النجاح بقبض الرواتب وحفظ المكاتب؟

تابعت المناقشة صامتا، متنقلا بين مقاعد الشركة والمدير والمساهمين والمنتفعين! وعلقت على الموقف بسؤالهما ببراءة (كيف تفشل بنجاح؟) السؤال يفترض أن هناك شخصا أو كيانا يطلب النجاح، فى حالة وجود وحركة، ويبذل قصارى جهده بطريقة.. تفشله! مثالكم حول الشركة والمدير، نموذج يتكرر ويتداول فى أكثر من شكل وأى علاقة ثنائية! فالشركة قد تكون أعضاء جسم الإنسان والمدير هو من اختاره لقيادة هذا الجسم (لسانه، بطنه، عقله، أذنه، صفته فى الحياة)، قد تكون الشركة هى الزوجية والمدير الزوج أو الزوجة! قد يكون المجلس المحلى والمدير رئيسه المعين، قد يكون النادى والمدير من عينه مجلس الإدارة وهكذا. القضية هى وعينا بعناصر منظومة الفشل والنجاح، وتتبع تحقق علاماتها بداية من الإنسان ذاته لآخر المنظومة، العبرة ليس بمن نجح أو فشل، ولكن بتوفر مجموعة عناصر أو مؤشرات تجعلنا نقيم دور أى علاقة أو كيان فى مسيرته للنجاح بأقل فشل، أو بفشل ناجح!

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1200)

ورد بالتقرير السنوى الصادر عن صندوق السلام ومجلة فورين بوليسى فى الولايات المتحدة منذ سنة 2005، أن هناك 12 مؤشرا للمجتمعات الهشة هى (المؤشرات الاجتماعية) الضغوط الديموغرافية/ حركة اللاجئين/ الانتقام/ هجرة العقول، (المؤشرات الاقتصادية) التنمية الاقتصادية غير المتوازنة/ التدهور الاقتصادي، (المؤشر السياسي) نزع الشرعية/ التدهور التدريجى للخدمات العامة/ الانتهاك الواسع لحقوق الإنسان/ صعود النخبة المنقسمة/ التدخل الأجنبي/ تمكن دور الأمن.

وبمراجعة مدى توفر مؤشرات المجتمعات الهشة على تجربة الشركة والمدير، سنجد أن عناصرها يمكن تطبيقها مع الفارق، على الأشخاص والجماعات والمؤسسات، بغض النظر عن الحجم أو الطبيعة. فالمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية وبعض من السياسية، يمكن رؤيتها بنموذج الشركة وأيضا فى حالة المدير، مع اختلاف فارق الحجم والإمكانيات والموارد بينهما.

المحصلة أن هناك من الأعمال والمخططات التى يتضافر فيها ويتداخل، الإيمان بقضية، بالأداء الاحترافي، بالمصالح المتشابكة، بالأجندات الخفية، برؤى الاستغراق والإغراق، بتلبك الرؤى، بتفضيل أهل الثقة والطوع، بحرفية التجميل لا التأصيل، بمحدودية الإيجابيات، بالالتحاف بالخارج، بالاعتزاز بالقوة، بترويض المربوط، بالإدارة بالأزمات، بالانتصار للعادية، بإدمان فرق تسد، بإدمان اختراع العجلة بزمن المونوريل، إلخ والمحصل قمة النجاح فى فشل المخطط الأصلي!

اقرأ أيضا  العرب بين مطرقة إسرائيل والسندان الإيرانى

لم يكن الاستمرار يوما دليلا على النجاح، ولكن مجرد محاولة الإنسان أو الكيان رصد مؤشرات الفشل للاعتراف بها وتجنبها يعد نجاحا بذاته. النجاح وسط فاشلين قمة الفشل، والفشل بين ناجحين هو فشل ناجح، لأنك تعلمت مؤشرات النجاح لاتباعها مستقبلا!

اسأل نفسك قبل أى جديد! هل أريد أن أنجح بلا فشل أم أفشل بنجاح؟

هل القادم سيسمح بتوزيع عادل للقوة البشرية، بموضوعية، فيجتذب العقول والإبداع، ويحقق نموا اقتصاديا متوازنا ويمنع من التدهور؟ هل الشرعية آمنة، بدون تدخل خارجي، ولن يدخل فى المنظومة إلا المؤهل، فتحترم حقوقه، ولا نحتاج للقوة لترويضه أو حماية القادم من الغصب؟

مجرد محاولة الإجابة ستخرجنا من الفشل بنجاح إلى النجاح بأقل قدر من الفشل! فلا نجاح مطلق أو فشل مطلق.

وهو المطلوب إثباته!

* محامى وكاتب مصرى

‏bakriway@gmail.com

..

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »