رجائى عطية

مسئولية المحاماة

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

يبدو أن اعتياد »الطلب«، ولأنه محض طلب لا يفصل فيه المتقدم به، قد فصله في وجدان البعض عن الإحساس بالمسئولية.. فرغبات الناس، ناهيك بالتي تسعي إلي التلبية، لا تنفصم ولا يجوز أن تنفصم عن الإحساس بالواجب وبالمسئولية، وفرز ما لا يجوز عما يجوز.. فليس كل ما يرْغب يطلب.. بل إن الطلب قد يحمل بذاته أحيانا ـ ما يقلب المواجد أو يثير المشاكل أو يفاقمها!!
 
لم افهم لماذا يطلب محامٍ يدافع عن أحد المتهمين في حادث نجع حمادي ـ منع الأنبا »كيرلس« أسقف نجع حمادي من السفر، ولماذا يتقدم بطلب إلي النائب العام لوضعه علي قائمة الممنوعين من السفر بالمطارات والموانئ المصرية؟!
 
لم تكف تبريرات الطلب للإقناع بجديته وموضوعيته.. فحق السفر والانتقال من الحقوق الدستورية التي لا تجوز المصادرة عليها إلاَّ في حق متهم قامت دلائل جدية علي مخاطر تنجم عن سفره إلي خارج البلاد، وتوجد أيضا دلائل جدية وكافية علي أن في نيته السفر فعلاً وإلي غير عودة.. فالسفر بنية العودة لا غبار عليه ولا بأس منه، بل أن النيابة العامة تصرح أحيانا للمتهمين الممنوعين لأسباب جدية من السفر للخارج ـ تصرح لهم بسفرية أو أكثر طالما قامت لها أسبابها المقنعة وانتفت عنها نية الهروب وعدم العودة إلي الديار.
 
ولذلك لم افهم علة طلب منع الأسقف من السفر، ولا تعلة أنه شاهد يرغب الأستاذ المحامي في سماعه بالمحاكمة، ولم استسغ »تحبيشات« هذا الطلب العجيب ـ بأنه قد ترددت أنباء عن عزم الأنبا كيرلس علي السفر خارج البلاد، ولو قال الطلب هذا »التحبيش« وكفي لهان الأمر، ولكنه زاد فقال إن نية السفر للخارج هي للهروب ـ يا ألطاف الله! ـ من التحقيق في الكنيسة المصرية حول ما أصدره من تصريحات!
 
لا يخطيء العاقل أن هذا تحرش غير مسئول، وغير مأمون العواقب فيما نعانيه من احتقان لا يحتمل المزيد من التأجيج أو افتعال الأسباب التي تصب الزيت علي النار.. فطلب المنع من السفر، ومقطوع في هذه الحالة برفضه لأنه معدوم السبب والمنطق، لا محل له من أي إعراب، ولم تجر العادة بإطلاقه حتي بالنسبة للمتهمين، ناهيك بالشاهد الذي لا إثم عليه ولا يجوز دستوريا وقانونيا التعرض لحريته، بل وأمانه النفسي.. هذا الأمان الذي يبعثره هذا الطلب الذي خرج عن المعقولية والموضوعية وعن كل موازين الحساب والتقدير!!
 
إن الدفاع عن متهم ـ أي متهم ـ ليس مبررا للتجاوز في حق المجني عليهم أو ذوويهم، أو في حق الشهود.. فالدفاع أمانة ومسئولية، محكوم بكل ضوابط الأمانة ومعايير المسئولية، وهي مسئولية لا تقتصر علي المتهم المدافع عنه، وإنما هي واجبة إزاء الدعوي وخصومها وأطرافها وشهودها، وإزاء المجتمع أيضا.
 
عن أزمة اغتيال بطرس باشا غالي، كتبت في رسالة المحاماة كيف امتحنت الجماعة الوطنية، والأمة المصرية بعامة، بامتحان عسير ـ في هذا الحادث، والاحتقان الذي صاحبه، واستغلال سلطات الاحتلال له بضرب النسيج الوطني، والمؤتمرات المتقابلة التي جعلت تعقد بين أسيوط ومصر الجديدة، وكيف كانت فطنة وبصيرة المحامين الذين وكلوا للدفاع عن ابراهيم الورداني: الأساتذة أحمد بك لطفي، وإبراهيم بك الهلباوي، ومحمود بك أبو النصر، فضلا عمن ترافعوا أمام قاضي الإحالة: الأساتذة: عبد العزيز بك فهمي، ومحمد علي علوبة بك، وآخرين.. وأوردت بعضا من مرافعاتهم والخطة التي انتهجوها، وكيف أن مـن يطالع مرافعات المحامين أمام محكمة الجنايات في الكتاب الضافي: »المرافعات في أشهر القضايا«، للأستاذ محمود عاصم المحامي الذي حفظ لنا هذا التراث، يلمس الأبعاد العميقة المدركة بموضوعية لحـق الدفاع بغير إسفاف أو مظهريات، الواعية لحق الأمة في أن يصان لها ـ مع حق المتهم ـ حقها في الأمان وفي ضوابط ترعي الموازين جميعها بفهم ووعي ورؤية ناضجة.. بعد مرافعة النائب العمومي عبد الخالق ثروت باشا (نقيب المحامين ثم رئيس الوزراء فيما بعد ) ـ ترافـع علي التوالي الأساتذة محمود بك أبوالنصر، أحمد بك لطفي، إبراهيم بك الهلباوي.. كانت مرافعة النائب العمومي قطعة أدبية وقانونية رائعة، تكهن فيها بما يرمي إليه الدفاع، فسعي طاقته إلي سد منافذه، إدراكاً لكون الدفاع عن المتهم هو آخر من يتكلم، ومن ثمّ فإن واجب الفطنة أن يسبق إلي قراءة مرامه، وأن يدلي بدلوه فيه.. وجدير بالذكر أن مرافعته مع روعتها التزمت الموضوعية والأدب الرفيع في الموضوع والقانون، فلما جاء دور المحامين، إذ بهـم يأخذون الألباب مع دقـة الموقـف وصعوبته، فـلا يخـرج أحدهم عن الموضوعية، ولا يسفسط في الوقائع أو القانون، ويؤدي كل منهم دوره في إطار التقسيم الثلاثي الذي التزمـوه فيما بينهم.. يتحدث الأستاذ محمود بك أبو النصر في سبق الإصرار ونقطة السبب، فيسوق ما لم يسبقه ولعله لن يلحق به أحد!
 
لم يكن هذا هو كل شعور أو فطنة أو دور المحامين في معالجة هذا الحدث الجلل، فحملوا مشاعل المعالجة الحكيمة الكاملة في المؤتمر القبطي (مارس 1911) بأسيوط، وفي مؤتمر مصر الجديدة (ابريل 1911)، فكان للمحامين دور بارز في المرور بسفينة المؤتمر إلي بر السلامة، واحتواء ما بدأ يتفشي من احتقانات تهدد وحدة الجماعة الوطنية.. فإلي جوار كلمة ورؤية مصطفي باشا رياض، تحدث ببصيرة حاضرة وإحاطة عاقلة، فرسان الكلمة والمحاماة: أحمد لطفي السيد باشا (أستاذ الجيل)، وعبدالعزيز فهمي باشا، والأستاذ الكبير محمود بك أبوالنصر المحامي، والأستاذ محمد علي علوبة المحامي، وفارس المحاماة إبراهيم الهلباوي، والأستاذ محمد حافظ رمضان المحامـي الذي صار رئيساً للحزب الوطني (القديم)، والأستاذ محمد يوسف المحامي، والأستاذ محمد أبوشادي المحامي، فضلاً عن الأساتذة أحمد عبداللطيف المكباتي وحمدي حماد وعلي شمس، والشيخ عبد العزيز جاويش وآخرين، حيث انتهي المؤتمر بعد مناقشات وكلمات وأبحاث ضافية ـ إلي قرارات شاملة في الحقوق السياسية ومسائل التربية والتعليم والمسائل الاجتماعية والاقتصادية والمصرفية، وفي الأملاك الزراعية والصناعية والتأمين فيما يشبه برنامجاً متكاملاً للعمل الوطني كان للمحامين الدور الأكبر في وضعه ورسم خطوطه ورعايته.
هذه هي المحاماة التي عرفناها، وورثناها عن أسلافٍ لنا عظام!

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »