رجائى عطية

مسئولية التأريخ

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

يبدو أنه لم يعد معنيًّا بالتأريخ فى مصر، بعد رحيل الأستاذ الدكتور يونان
لبيب رزق، سوى الأستاذة الدكتورة لطيفة سالم، وبعض الأعمال المتقطعة
القليلة لأساتذة التاريخ.

لقد تميزت مصر فى عصورها المختلفة بمؤرخين كبار، عنوا بتأريخ الحوادث
المصرية، فى دقة وأمانة وحرص، لازلنا نعيش على موائدهم ونغترف منها..

كان هؤلاء عقدًا من العلماء الجادين العظام، من أشهرهم ابن زولاق (919 997
م) وكتب عن قضاء مصر حتى سنة 246 هـ، وكتب ذيلاً لكتاب الكندى عن ولاة
وقضاة مصر، وابن منظور (1232 1311 م) المؤرخ الشاعر اللغوى صاحب «لسان
العرب»، وشهاب الدين النويرى (1278 1333 م) صاحب «نهاية الأرب فى فنون
الأدب»، والقلقشندى

(1355 1418 م) صاحب «صبح الأعشى فى صناعة الإنشا»، والمقريزى أبوالمؤرخين
المصريين (1356 1441 م) صاحب موسوعة «السلوك لمعرفة دول الملوك»، «المواعظ
والآثار بذكر الخطط والآثار» المعروف باسم «الخطط المقريزية»، وابن تغرى
بردى (1410 1470 م) صاحب موسوعة «النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة»،
والسخاوى

(1427 1497 م) صاحب كتاب «التبر المسبوك فى ذيل السلوك» وهو تتمة لكتاب
السلوك للمقريزى، والسيوطى (1445 1505 م) العالم الشهير متعدد المواهب
وصاحب كتاب

«حسن المحاضرة فى أخبار مصر والقاهرة»، وابن إياس (1448 1523 م) صاحب
موسوعة «بدائع الزهور فى وقائع الدهور»، وعبدالرحمن الجبرتى (1754 1822 م)
صاحب موسوعة «عجائب الآثار فى التراجم والأخبار»، وعلى مبارك (1823 1893 م)
الملقب «أبو التعليم»، الذى أنشأ الكتبخانة الخديوية (دار الكتب والوثائق
فيما بعد) وصاحب كتاب «الخطط التوفيقية» المكمل لخطط المقريزى، وأحمد شفيق
باشا (1860 1940 م)، صاحب كتاب «حوليات مصر السياسة» و«مذكراتى فى نصف
القرن»، وعبد الرحمن الرافعى (1889 1966 م) صاحب موسوعة تاريخ مصر فى العهد
الحديث. وآخرون لا يتسع لهم المقام، كانوا جميعًا من العلماء المدققين.

على أننى مصدوم الآن باجتراء غريب ومتعدد على كتابة التاريخ، اختلط برغاب
رفع نسبة توزيع الصحف، ومن ثم تصدى للكتابة من لا يحسنون كتابة التاريخ،
والأدهى من لا يدركون أهميته على الحاضر والمستقبل.. فقد هالنى فى العديد
من الكتابات مغالطات ربما عن جهل أو قلة عناية فى حوادث بلغت المغالطة فى
عرضها حد قلب الحقائق، وتوسد الوقائع المقلوبة فى قراءة الحادثات وإعطاء
الكيوف والأوصاف.

تصادف أننى على مدار نصف قرن اشتركت فى قضايا كبرى متماسة مع الشأن العام
ومع تاريخ الوطن، وأعرف وقائعها وأكاد أحفظها عن ظهر قلب، ولكنى فوجئت ولن
أسمى أحدًا، فلا أقصد التجريح أو الإهانة، فوجئت بعرض هذه القضايا عرضًا
سطحيًّا هشًّا ربما غلبت عليه أغراض، فاستباح التعديل والتبديل، والتغيير
والتوضيب، فى عرض الوقائع مع ادعاء كاذب بالعلم ببواطن الأمور وبما وراء
الكواليس. وهذه طامة كبرى!

عزت بعض الكتابات، إقالة أو استقالة اللواء أحمد رشدى وزير الداخلية
الأسبق، إلى رغبة الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك التخلص منه للاستياء من
تفجير قضية قيادات وزارة الصناعة، مع أن تفجير هذه القضية كان برغبة وتوجيه
النظام بعد أن كان قد ارتبط مع اليابانيين، فى زيارة لليابان، بوعدٍ متعجل
وإن كان حسن النية، بترسية عطاء إقامة مصنع الورق فى قوص على اليابانيين.

لم يقدر الوعد المتعجل، ربما مع السطحية وحسن النوايا، أن الألمان
المنافسين فى العطاء، لهم فضلاً عن أسبقيتهم وتميزهم فى صناعة الورق، لهم
سابقات أعمال لصناعة الورق فى مصر، وهى تعطى لعطائهم مزيدًا من أسباب
الرجحان، من خلال خبرة التعامل والصيانة وأدوات وقطع غيار لمصانع قائمة
فعلاً فى مصر، أقامها ويواليها الألمان. كما لم يقدر الوعد المتعجل أن
العطاءات تخضع لسلسلة من التقييمات الفنية والمالية تنهض عليها لجان، وأن
مقاطعة أعمال هذه اللجان بقرارات علوية أمر غير حكيم وغير مقبول، ومن ثم
شجرت الأزمة لدى اتضاح أن عوامل المفاضلة بين العروض تتجه إلى العرض
الألمانى.

ويعرف المطلعون على مسار هذه القضية، أنه كان الأحرى بالنظام خلاصًا من
المأزق الناجم عن الوعد المتعجل لليابانيين، إزاء أرجحية العطاء الألمانى،
أن يقام مصنعان للورق فى قوص، لا مصنع واحد، وعلى ضفتى النيل هناك ما يتسع
لإقامة المصنعين، والحاجة تورى بأن مصر أحوج وبشدة، فى المستقبل، للمصنعين
إزاء ارتفاع نسبة الحاجة للورق، ومن الأفضل التعجيل بهما قبل ارتفاع
الأسعار التى كانت فى صعود واضح بعقد الثمانينات من القرن الماضى. بيد أن
أحدًا لم يتفطن إلى هذا الحل، وساد منطق قلب المائدة على لجنة البت وهى على
وشك إصدار قرارها، للتخلص من العرض الألمانى.

لست أريد الدخول أكثر فى قانونيات هذه الدعوى، ولكن حسبها أن كل أعضاء لجنة
البت قضى جميعًا ببراءتهم براءة مستحقة، برغم الجهود الهائلة التى بذلتها
الداخلية والحديث فى ذلك يطول، على أن ما يجب التوقف عنده، هو أن إحالة
وتفجير هذه القضية كان لا يتصادم بل ويتفق مع رغبة وإرادة النظام آنذاك،
ومن ثم لم يكن سببًا ولا من أسباب إقالة أو استقالة وزير الداخلية اللواء
أحمد رشدى.

كان لهذه الإقالة أو الاستقالة أسباب أخرى عديدة، تحتاج عند تناولها إلى
مساحة وإلى تمهل وإلى إمعان نظر، وذلك ما لا تتسع له هذه الكلمات، والتى
تتوقف فقط عند الخطأ الهائل فى تصوير أن قيام وزارة الداخلية بتفجير قضية
وزارة الصناعة كان سببًا فلم يكن كذلك لإقالة الوزير أحمد رشدى!

ومن العجب العجاب أن تُربط هذه الإقالة أو الاستقالة، بالقبض على شقيق
الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب.. فهذه قراءة خاطئة تمامًا للأحداث،
فلم يكن رفعت المحجوب يحظى بحماية متفق عليها بين أركان النظام، بل كان
الموقف منه محكومًا بتيارات متعددة، منها المقبل ومنها المدبر ومنها
المعاكس، ولو قرأ كاتب هذا التأريخ المغلوط أوراق قضية مستشفى قصر العينى
الجديدة والضجة المفتعلة من حولها واسترسال آليات النظام فى مجاراتها لعرف
أن رفعت المحجوب كان هو شخصيًا لا سواه المستهدف فيها، ولذلك لم يعد
للاستمرار فيها محل بعد اغتياله، فانحسرت عنها الأضواء وتجمدت حتى دخلت فى
أضابير النسيان!

أكرر أن مقصدى ليس إبراء ساحة أحد أو إدانته، ولا بسط هذه القضية أو تلك،
فقد يكون لذلك حديث لو اتسع العمر واتسعت الفرصة وإنما أردت فقط أن أبين
مخاطر التأريخ بغير دراية، ودون أن تكتمل للمتصدى المعلومات، وهى مخاطر
تتزايد وتتفرع حينما تخالط السياسة كتابة

«التاريخ».. ونحن الآن نعيش فى مرحلة عائمة تتداخل وتتقاطع فيها تيارات
عديدة، وأغراض كثيرة.. وليس هذا أوان ولا هو ظرف كتابة التاريخ.. ليس مقصدى
المصادرة على الرأى أو الكتابة، فذلك مباح ومطلوب، وإنما إبداء أن
«التأريخ» مسئولية كبيرة، يتعين الإلمام بعناصرها وحيازة مكناتها وأدواتها
قبل التصدى لها أو الاجتراء عليها!

شارك الخبر مع أصدقائك