مجموعة‮ »‬شفيلد‮«‬ هل رفضنا استعادتها‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

محمود كامل

لأن »الحداية لا تلقي بالكتاكيت«، فإنني أشك كثيراً فيما قيل، ونشر عن رفض مصر استرداد مجموعة من آثارها المنهوبة التي قرر متحف »شفيلد« البريطاني -بعد طول عرضها هناك- إعادتها إلي مصر، فليس من المنطق، أو المعقول أن يرفض عاقل أن يعيد اللص إليه ما سرق منه، ولو بعد حين، في نوبة من صحيان الضمير، قد لا تتكرر كثيراً.
 
أما إذا كانت واقعة إعادة الآثار، ورفض مصر تسلمها صحيحتين، فنحن بالفعل أمام مشكلة تتعلق بأمانة المسئولية الملقاة علي عاتق أولئك الموظفين الذين أوكلنا إليهم -بحكم وظائفهم- مسئولية حماية ما تحت الأرض المصرية، وما فوقها من تراث أو ما تبقي من هذا التراث بعد عصر »النهب الأعظم« الذي عانت خلاله الآثار المصرية -بما في ذلك قطع مهمة كشفت عنها بعثات الحفر الأجنبية التي كانت تمتلئ بها مصر طوال العقود الأربعة الاولي من القرن الماضي، فيما سمي عصر »القناصل« الأجانب الذين كانت مهماتهم في سفاراتهم بالقاهرة تتركز علي نزح أكبر كم من نتائج الحفريات الأثرية، وأكثر القطع المكتشفة قيمة، وذلك بخداع »لجان القسمة« المصرية الاجنبية المشتركة، التي -طبقا للقانون- كان عليها تجنيب أهم القطع المكتشفة لحساب الجانب المصري لتتم بعد ذلك القسمة -بنسب محددة- في المكررات، أي القطع المتشابهة.
 
وخلال فترة الخديعة تلك خرجت من مصر رأس نفرتيتي الشهيرة التي اقيم من أجلها متحف برلين الذي مازال حتي اليوم يرفض اعادتها ولو علي سبيل السلفة المؤقتة، للعرض في القاهرة لمدة محددة، وفي نفس ذلك العصر خرجت قطع كبيرة في حجم المسلات، وصغيرة في حجم حجر رشيد- صنعت مجموعات منهوبة مازالت حتي اليوم هي قمة انظار الزائرين لأشهر متاحف العالم، وأشهرها المجموعة المصرية الكبيرة بمتحف »اللوڤر« الفرنسي، و»المتروبولتيان« الأمريكي الشهير، ومتاحف اخري، ناهيك عن المجموعات الخاصة المعروضة بقصور أثرياء القوم في كل مكان.
 
ولأن ما قيل في رفض استرداد »مجموعة شفيلد« يعود سببه الي جودة، وحُسن عرض القطع المصرية في ذلك المتحف بما يليق بقيمة القطع المصرية فإن ذلك يكون اعترافاً »بالخيبة المصرية« وعجز المصريين عن تقديم »عروض مبهرة« للنفائس التي يملكونها مع علمي بأن طلب الآثار المصرية لأي جهة أثرية اجنبية بالمعاونة في حُسن عرض آثارنا في بلدنا، فلا أظن أن دولة واحدة سوف تتكاسل عن تقديم مثل تلك المعونة الفنية، بل غالبا ما سوف تدخل تكاليف ذلك ضمن المعونات الثقافية الكثيرة التي تقدم لمصر والتي لا يعلم أحد الي أين تذهب؟
 
بعد هذه السياحة السريعة في ملف سرقة الآثار المصرية -وهو ملف سميك مملوء بآلاف الوقائع، ومنها فشل الكثير من محاولات الاسترداد الرسمية- نعود الي التنبيه، والتذكرة- بأنه ليس من حق »زاهي حواس« ولاي أي »حواس آخر«، بل وليس من حق المجلس الاعلي للآثار بجلالة قدره، أو وزير الثقافة، أو رئيس الوزراء، بل حتي رئيس الدولة أن يفتي، أو يقرر الامتناع عن استرداد أي آثار مصرية، والعكس صحيح، أي إنه ليس من حق أي من كل تلك الجهات اهداء أي من تلك القطع الأصلية الي دولة، أو رئيس دولة خلال زيارة ما للقاهرة، ذلك أن كل قطعة أثرية -صغيرة كانت أو كبيرة- هي ملك خاص لتراث أمة يمتلئ تاريخها بحضارة مازال العالم- رغم كل آلاف السنين يتحدث عن صنَّاعها الي الدرجة التي يدعي البعض -نظرا لروعة تلك المخلفات التاريخية -بأن كل هذه العظمة هي من صنع أناس قدموا من الفضاء، مستكثرين علي أجداد المصريين أن يكونوا هم الصانعين!
 
وإلي كل هؤلاء »المنكرين« فإنني أذكرهم بأن هذا  التراث العظيم قد صُنع خلال حقب مصرية بالغة القدم والتحضر، لم يكن خلالها في مصر »الحزب الوطني الديمقراطي« كما أن مصر لم تكن قد دخلت بعد إلي »أزهي العصور«.
 

شارك الخبر مع أصدقائك