شريف عطية

مجرد حائط‮.. ‬ولكن

شارك الخبر مع أصدقائك

شريف عطية

اليوم، يتوافق مع مرور عشرين عاما علي سقوط جدار برلين 1989.. الذي أنهي حقبة من التاريخ.. انقسمت فيها ألمانيا، وأوروبا، والعالم.. إلي شرق وغرب، ولتهب إثر سقوطه نسائم الحرية علي شعوب طالما تطلعت إليها.. ربما باستثناء الشرق الأوسط الذي وإن سقطت عنه خلال العقدين الماضيين.. جدران الوصاية الأمنية الخارجية في لبنان، وعن الحكم الديكتاتوري في العراق، وعن النظام الظلامي في أفغانستان.. لكن بأثمان باهظة وعبر أنهار من الدماء ما زالت تجري دون توقف، إلا أن جدراناً أخري مازالت منتصبة.. في مقدمتها الجدار بين العرب وإسرائيل.. الذي حسبه البعض »نفسيا«.. سرعان ما يتهايل إذا قبل العرب بحق الأخيرة في الوجود، فإذ به يتعاظم بالشكوك – رغم المبادرة العربية للسلام – ليتحول إلي جدار أسمنتي للفصل العنصري بين الإسرائيليين والفلسطينيين، إلي سائر الجدران التي تقسم السودان بين جنوب وغرب، وتلك التي تجعل من الصومال »دولة فاشلة« تتناحر عشائرها فيما بينها، إلي اليمن الذي توحد في 1990.. ليتهدد اليوم بحروب وحراك انفصالي في الجنوب والشمال.. حيث نصبت الديكتاتورية، واحتكار السلطة.. الجدار العازل بين قلب الحكم وأطرافه، إلي سائر الشعوب العربية تقريبا التي تحول بينها.. والتطلع إلي الحرية.. جدران سميكة من غياب الديمقراطية وحقوق الإنسان ومبادئ الحكم الرشيد التي لا تكفل نواقصها.. أبسط مظاهر »العدل والمساواة«.. التي صدرت مبادئهما للعالم.. الثورة الفرنسية التي تتزامن ذكري مرور مائتي عام علي قيامها.. بالسقوط التاريخي لحائط برلين، ذلك من بعد أن سجل »جوربا تشوف« رجل الكرملين الأول في 17 أكتوبر 1989.. عبر الكتاب الذهبي لبرلمان ألمانيا الشرقية.. تلك العبارة التي صارت فيما بعد مثلا وعبرة لكل الحمقي الذين لا يتغيرون.. »من يأت في زمن متأخر.. سوف يعاقبه التاريخ«، ليعطي بها الضوء الأخضر لرئيسّي وزراء الألمانيتين عشية اجتماعها غير المسبوق في بون.. قبل أيام من إسقاط الأمة الألمانية الجدار.. الذي سقط معه الديكتاتور الألماني الشرقي »هونيكار.. وانهار نظامه، ليتم – من ثم  – الإعلان عن مولد ألمانيا الموحدة.. ونظام أوروبي جديد.. نعمت من خلاله دول شرق أوروبا تباعا.. بالتحرر من قهر الشمولية في الداخل، وبالتخلص من سطوة الخارج في آن واحد، وليصبح عام 1989 من بعد.. هو عام الحرية.. وذكري انتزاع مقدرات الشعوب المغلوبة علي أمرها.. من براثن الرضوخ والاستسلام.. يوم أن أطاحت رياح الحرية بالأنظمة الديكتاتورية في شرق أوروبا الواحدة تلو الأخري.. بعد عزلة امتدت لنحو ستة وأربعين عاما.. كانت خلالها من أكثر الدول التوتاليتارية المنغلقة »سرية« في العالم.

إن الاحتفال بذكري سقوط جدار برلين، وما نتج عنه في مجال الحريات، إنما هو رسالة إلي الشعوب التي لا تزال ترزح تحت نير الاستبداد، لكي تأخذ فكرة عن الثورات التي غيرت وجه الحياة في أوروبا الشرقية.. لعمل نفس الشيء إزاء إمكانية بناء حياة جديدة، وهي التي امتدت منذئذ إلي ما هو أبعد من شرق أوروبا.. باستثناء العالم العربي الذي لم تصله بعد رياح الحرية، فيما يثبت سقوط جدار برلين وما تلاه من انتفاضات – ملونة أو غير ملونة – أن الطغاة ليست لهم أي شرعية. إلا ممن يتحلقون حولهم.. منصاعين فحسب إلي المستبد الأكبر.. الذي يتشبث برأسه أمام ريح التاريخ.. التي إن هّبت فسوف تودي في غضبتها بحياة أرواح من الضحايا.. قبل أن يولي الديكتاتور هربا، وهذا هو ما تعنيه ذكري هدم جدار برلين، الذي يحتفل العالم هذه الأيام بإسقاطه.. رغم أنه ليس إلا مجرد حائط.

شارك الخبر مع أصدقائك