مثل الرجل والمرأتين‮!ص 83 ‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائي عطية 
 
 ظل مجلس القاضي المعقود لمحاكمة ” دمنة ” ، بتدبير أم الأسد وبتحريض النمر ونكاية سيد الخنازير، ظل في انتظار أن يفصح ” دمنة ” عما أشار إليه عن حكاية الرجل الذي قال لامرأته : ” ابصري في عيبك يا سفيهة ثم عيبي غيرك ” !
 
نظر دمنة إلي الرءوس المعلقة بما سوف ينطق به ، وحال كل منهم يقول لنفسه : تري ماذا سوف يقول هذا الأريب المراوغ .. ثم طفق دمنة يقول بعد أن أثار أشواقهم للسماع :
 
“زعموا أن مدينة كانت تدعي “بورخشت” .. دخلها الأعداء مرة فقتلوا من كان فيها عالماً ، وسبوا نساءهم ، واقتسموا السبي. فأصاب جندي من العدو حرّاثاً (زارعاً) مع امرأتين. فكان ذلك الرجل يعريهم من الكسوة ويصومهم عن المطعم والمشرب،  فانطلق الحراث يوما من الأيام مع الرجل والمرأتين ليحتطبوا، فوجدت إحداهما خرقة فاستترت بها، فقالت الأخري لبعلها (زوجها) : ألا تنظر إلي هذه كيف تمشي بخرقتها ؟! فقال زوجها : ” ويلك . ألا تبصرين نفسك فتستري مثلها ثم تكلمي ” ؟!!
 
صمت دمنة برهة يرقب تأثير حكايته ، قبل أن يستأنف تقريعه لسيد الخنازير الذي مالأ وحرض عليه بحجة مغلوطة ، فقال له : ” فأما أمرك أنت فأعجب فيما عرفت من قذارة جسمك ونجاستك وجرأتك مع ذلك علي الدنو إلي طعام الملك ، والقيام عليه وبين يديه كالبرئ من العيب والنقي من الدنس ! إنه لم يمنعني من إبداء عيبك قبل اليوم إلاَّ مودة كانت بيني وبينك . فأما وقد طعنت علي وابتدأتني بالظلم لما انطويت عليه من عداوتي وقذفتني بالباطل بمحضر الجند . فإنني قائل بما أعلم من عيبك ، مبدي الذي أخفيت من دنسك الذي ليس لك معه أن تخدم الملك ولا الذي تحته . فقد حق علي من عرفك حق المعرفة أن يمنع الملك من استعمالك ، ويدفعه إلي عزلك عن طعامه ” !
 
لما سمع سيد الخنازير هذه الحجج الدامغة من دمنة ، بهت وتلجلج لسانه واستحيا ، وكفَّ نفسه وكف جميع من حضروا من الجمع . عن القول في شيءٍ من أمره.
 
ولكن كان بين الحاضرين من قد جربه الأسد ملك الغابة ، فوجد فيه أمانة وصدقاً ، فاتخذه في خدمته، وأمره أن يحفظ جميع ما يجري بينهم ويطلعه عليه .. فلما سمع ما كان من هذا الحوار إنطلق إلي الأسد فدخل عليه وأعلمه بحديثهم من أوله إلي آخره ، دون أن يكتم عنه شيئاً . فلما سمع الأسد ذلك ، أمر بعزل سيد الخنازير عن عمله ، وأصدر أوامره بمنعه من الدخول عليه ، وحظر علي الحاشية أن يدعوه يريه وجهه ، ثم أمر بدمنة أن يُرد إلي السجن . وكتب ما جري في محاكمته ، وختم عليه النمر.
 
وكان لكليلة في حاشية الأسد صديق يدعي ” روزبة ” .. بينه وبين كليلة إخاء ومودة ، وكان عند الأسد وجيهاً وعليه كريماً . فانطلق ”  روزبة ” إلي ” دمنة ” وأخبره بموت كليلة ، وبأنه قضي إشفاقاً من أن يتلطخ بشيء من أمر أخيه وحذرا عليه . فبكي دمنة حزناً علي كليلة ، وقال لصديقه ” روزبة ” : ” ما أصنع بالدنيا بعد مفارقة الأخ الرحيم والصديق الحميم .. حقاً إن المصائب لا تأتي فرادي . ولكن أحمد الله تعالي إذ لم يمت كليلة حتي أبقي لي أخاً مثلك “
 
وجعل دمنة يطري ” روزبة ” ، ودله علي الموضع الذي يحتفظ فيه وكليلة بثمار سعيهما، وأعطاه له، ثم جعل يزين له أن يكون عينه ومعينه لدي الأسد ، بأن ينقل إليه ما يرفع إليه عنه من الخصوم ، وما تبديه أم الأسد في حقه ، وأن ينقل إليه ما يدور ويعلمه به.
 
لم يقصر ” روزبة ” في أداء مهمته في بلاط الملك ، فما إن رأي القاضي يدخل علي الأسد ويعلمه بما قال دمنة في معاذيره ، وقيام الأسد باستدعاء أمه وقراءة ما كان عليها ، وغضبها ونذيرها لابنها الملك بأنه لا يعلم ما يضره مما ينفعه ، وأن ” دمنة ” مجرم مسيء وغادر ، ويهيج عليه . ما إن رأي ” روزبة ” وسمع ما كان في بلاط السلطان ، حتي انطلق إلي ” دمنة ” فوشي إليه وأعلمه بما حدث !
 
ذهب ” دمنة ” إلي مجلس القاضي في الغد ، وهو عالم بما يُحاك له ، فلما عاين التواء منطقه ، قال له في غير مداراة : أراك أيها القاضي لم تتعود العدل في القضاء .. وليس من عدل الملوك دفع المظلومين ومن لا ذنب لهم إلي قاضٍ غير عادل . وقد رأيت أن العلماء لم يقولوا في حقي شيئاً !
 
جعل القاضي يخادعه ، فتعلل بأن سكوت الجميع كان لاجتماعهم علي أنه مجرم لا خير فيه ، وجعل ينصح له أن يقر بذنبه فيخرج بعتقه من تبعة الآخرة . فإن العلماء قالت : ” إن الموت فيما يجمل ، خير من الحياة فيما يقبح ” !
 
لم يلتقط ” دمنة ” هذا الطعم ، وأجاب القاضي بأن القضاة لا تقضي بظنونها ولا بظنون العامة ولا الخاصة ، وأنه من السفاهة والحمق أن يقر بذنب لم يرتكبه ويسلم نفسه للقتل وهو يعلم أنه برئ . واستأنف يقول للقاضي :
 
“إن كانت هذه منك نصيحة ، فقد أخطأت موضعها . وإن كانت منك خديعة فإن أقبح الخداع ما فطن له . وليس الخداع ولا المكر من أخلاق صالح القضاة ! أما بلغك ما قاله العلماء” ؟!
 
سأله القاضي ، وماذا قالوا ؟
 
قال ” دمنة ” ، قالوا : “من ادعي علم ما لا يعلم وشهد بالغيب ، أصابه ما أصاب “البازيار” القاذف عند مولاه”!
 
سأله القاضي وقد ثار شوقه : وكيف كان ذلك ؟
 
انتظر دمنة لبرهة قبل أن يجيب .
 
ولذلك حديث آخر!
 

شارك الخبر مع أصدقائك