متغيرات تاريخية بين محيطين

شارك الخبر مع أصدقائك

ثلاث سنوات فحسب، تفصل بين تصاعد حدة الأزمة الدبلوماسية الشعبية بين الصين واليابان ربيع 2005، وبين زيارة الرئيس الصيني غير المسبوقة تاريخياً إلي طوكيو ربيع 2008، ثلاث سنوات تفصل بين اعتذار رئيس وزراء اليابان للشعب الصيني خلال القمة الآسيوية الافريقية بجاكارتا نهاية ابريل 2005 .. عن »فظائع« ممارسات بلاده ضدهم أثناء الحرب العالمية الثانية (وما قبلها)، وبين إعلان البلدين مطلع مايو 2008 عن تقاربهما تحت شعار »المشاركة الاستراتيجية«.
 

ومع أن التقارب المزمع بين العملاقين الآسيويين .. لا يزال في حيّز الاختبار، إلا أنه سوف يمثل في حالة نجاحه، تحولا تاريخياً ودراماتيكياً .. ليس في علاقات البلدين فحسب، بل علي المستوي القاري والدولي، وقد يماثل في نتائجه الآثار التي ترتبت علي  الأحداث العالمية الكبري خلال القرنين الأخيرين.
 

إن التقارب بين الصين واليابان .. إذا ما أُريد له أن يُؤتي ثماره، سبيله .. مراجعة التاريخ، وتدارك نزعات السيطرة علي الزعامة الآسيوية، خاصة من بعد أن توزعت بلدان القارة التي لم تعد فراغا كما كانت في السابق، بين أكثر من قطب آسيوي صاعد، وفي أن تتخطي بكين وطوكيو .. سابق سلوكيهما العدائيين تجاه الآخر .. لأسبابهما أو لحساب »الشيطان الأجنبي« كما كانا يدعوانه في الماضي.. و»الاستعمار الغربي« .. بتسميتهما اليوم، وإن لم يقلعا عن أسلوب الكواسر فيما بينهما، لاضطرت قوة ثالثة من خارج القارة إلي الفصل بين »النمرين« واجبارهما علي العيش ذليلين علي نفس التل.
 

ولما كان المحيط الهادي والبلدان المطلة عليه يمثل قلقاً استراتيجياً للولايات المتحدة، فإن الانباء تتواتر عن توسيع حلف الناتو إلي اليابان وكوريا الجنوبية واستراليا .. إلخ، مما يبدو إزاءه.. أن المواجهة قد تنزع إلي الاحتدام بين الولايات المتحدة وشركائها الآسيويين من جهة، وبين الصين.. وربما شمال كوريا وغيرهما من جهة أخري، وفي مثل هذه الظروف المماثلة التي تواجه روسيا .. حيث تتسع الهوّة بينها وبين الغرب علي ملف توسيع الناتو شرقاً، والدرع الصاروخي الأمريكي .. إلخ، فمن الأحري بروسيا عندئذ تعزيز توجهها الآسيوي، وهو ما قد تكون رمت إليه الزيارة الرسمية »الأولي« للرئيس الروسي الجديد »ميدفيديف« إلي الصين الأسبوع الماضي، ذلك في الوقت الذي قد تلتقي فيه روسيا مع اليابان علي »حل وسط« فيما يتصل بالجزر المتنازع حولها .. مما قد يؤدي – حال نجاح المفاوضات بشأنها، إلي نتائج استراتيجية لا تقتصر علي طرفي النزاع، بل تشمل بلدان شرق اسيا .. وامتداداتها.
 

فإذا ما تطور هذا السياق، فقد تبرز عندئذ دائرة مركزية كبري في المحيط الهادي، تعادل دائرة تحكم »الدول الأطلسية«، وتحدّ من جموحاتها في »وراثة التاريخ« بقرار منها، ذلك علي النحو المشهود من أوائل التسعينيات، إذ لن يكون في مقدورها عندئذ إهمال العالم الصاعد في دائرة الشرق الحضاري الكبري.

 

شارك الخبر مع أصدقائك