مبدأ المراقبة المشددة‮.. ‬هل يمگن المغرب من القضاء علي تنظيم القاعدة؟‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

سنية البهات:

شهدت المغرب مؤخراً استحداث آلية جديدة لمكافحة الإرهاب، عُرفت بـ»مبدأ المراقبة المشددة«، الذي أعتبرته الأجهزة الأمنية بديلاً عن عمليات الاعتقال الجماعية، التي كانت تنتهجها المغرب منذ نهاية التسعينيات في حق المتشددين الإسلاميين، وسبقها إنشاء ما عُرف بـ»هيئة الإنصاف والمصالحة«، التي وصفها السياسيون بأنها تشكل نوعاً من الانتقال الديمقراطي المرن عبر تحقيق المقاربة السياسية لضحايا الانتهاكات والاعتقالات السياسية، وتسعي الدولة من خلال الهيئة إلي طي صفحة قاتمة من تاريخ المغرب ورد الاعتبار إلي هؤلاء الضحايا.

ساهم تطبيق مبدأ »المراقبة المشددة« في خلق قاعدة معلومات عن الإسلاميين المتشددين، الذين تري الأجهزة الأمنية أنهم يشكلون خطراً محتملاً، ومن خلال قاعدة المعلومات التي تم استحداثها يستطيع أكثر من 1500  مُراقِب، تم نشرهم في المدن والقري، كتابة تقارير يومية في شأن تحركات المتشددين الإسلاميين، ويري الخبراء الأمنيون أنه بفضل النهج الجديد أصبحت الدولة تحكم قبضتها بشكل أفضل علي الوضع، إذ تمكنت من التسلل إلي داخل بعض الشبكات أو الخلايا، ومن ثم تمكنت من منع الهجمات الانتحارية، التي يقوم بها أصوليون قبل وقوعها، وقيامها بخطوات استباقية تجاه المتشددين.

ويضيف الخبراء الأمنيون أن هناك نوعاً من تبادل المعلومات قائماً بين الحكومة المغربية، والحكومات الأوروبية التي تخشي أن يستخدم تنظيم القاعدة المغرب كقاعدة انطلاق لشن هجماته ضد أوروبا.

ويقول ناشطون سياسيون إنه عقب تطبيق مبدأ المراقبة المشددة لم تعد الاعتقالات بالكثافة السابقة.

أما هيئة »الإنصاف والمصالحة«، فقد اعتبرها حقوقيون أحد السبل التي انتهجتها الدولة للتكيف مع المعايير الدولية المتعارف عليها في مجال حقوق الإنسان، فأُنشئت بأمر ملكي كخطوة نحو طي صفحات مؤلمة من تاريخ المغرب، وتوفير شروط مناسبة لانتقال ديمقراطي مرن.

تشكلت الهيئة من الناشطين والحقوقيين وبعض المعتقلين السياسيين السابقين بهدف إحداث نوع من المقاربة السياسية للملفات المرتبطة بالاتهامات، التي شهدتها المغرب منذ العام 1999، وتكفل الهيئة رد الاعتبار الأدبي والمعنوي للضحايا المتضررين من دون أن تضمن لهم مقاربات قانونية أي تحقيق العدالة عبر القصاص من مرتكبي الانتهاكات أو محاكمتهم، وتحقيق نوع من المصالحة بين هؤلاء الضحايا والدولة أو المجتمع ككل، وهو ما يضفي علي الحركة دلالة رمزية أكثر من كونها هيئة لتحقيق العدالة القانونية.

جدير بالذكر أن تجربة الإنصاف والمصالحة، كما يقول أستاذ القانون في كلية الحقوق جامعة مراكش د.إدريس لكريني، تُعرف دولياً بالعدالة الانتقالية التي تؤمن تحولاً سياسياً مرناً وهادئاً، وتسمح بمصارحة الذات والعمل علي تلافي التجارب القاسية في المستقبل.

ويشير »لكريني« إلي أن ساحة المجتمع الدولي تحفل بأشكال مماثلة لهيئة »الإنصاف والمصالحة المغربية«، خصوصاً في بيرو وجنوب أفريقيا، إذ توجد الهيئة التي تترأسها ديسمون توتو، التي ساعدت شعب جنوب أفريقيا علي تجاوز سنوات قاسية من حكم الآبرتهايد.

آلية عمل الهيئة

تعقد هيئة »الإنصاف والمصالحة« جلسات استماع عمومية عبر وسائل الإعلام المرئية، لتلقي شكاوي الضحايا، وجعل وسائل الإعلام المرئية منبراً، للإفصاح عما تعرضوا له أثناء فترة اعتقالهم وظروف الاعتقال، والتعذيب، والاختطاف، في محاولة للدفع باتجاه تلافي مثل هذه الممارسات في المستقبل.

وعملت اللجنة -كما يقول إدريس لكريني- علي فحص آلاف الوثائق في سبيل الوصول إلي الحقائق عبر مختلف الملفات المرتبطة بالانتهاكات والخروقات الخاصة بمجهولي المصير، والاعتقالات التعسفية ومظاهر التعذيب وسوء المعاملة، وتقدم تقريرها للعاهل المغربي، محملاً بالممارسات التي تمت في حق ضحايا هذه الممارسات مثل الاختفاء، والدفن الجماعي والتعذيب، ومتضمناً معلومات وافية عن السجون والمعتقلات السرية، وذلك مع تلافي توجيه المسئولية لاشخاص محددين، إذ إن بعضهم ما زال في السلطة.

ولا شك قد خلَّف اتباع العمل بكل من مبدأ »المراقبة المشددة« وهيئة الإنصاف والمصالحة ردود فعل سياسية واجتماعية عدة، بل شعبية أيضاً، إذ بقدر ما ولّد نقاشاً في شأن جدية عمل الهيئة، خصوصاً أنها تكتفي بالمقاربة السياسية من دون مقاربة قضائية، أي من دون تحقيق العدالة والقصاص من الجناة، بقدر ما عكس ردود فعل متباينة مؤيدة ومعارضة.

في الوقت نفسه أثار مبدأ »المراقبة المشددة« ردود فعل شعبية تمثلت في اطلاق الكثير من النكات بين الناشطين السياسيين المغاربة، منها أن مراقباً دأب علي كتابة تقريره اليومي عن ناشط أصولي إسلامي كُلف بمراقبته، وعمد دوماً إلي كتابة جميع تحركات المُراقب، حتي دخل ذات يوم حانة واحتسي كأساً من الخمر، فجاء تقرير المراقب يقول: وقد تحسن حال الشيخ »فلان« وأصبح طبيعياً.

ورغم ردود الفعل المؤيدة والمعارضة يبقي »مبدأ المراقبة« و»هيئة الإنصاف والمصالحة« رهن التجربة لسنوات مقبلة.

شارك الخبر مع أصدقائك