شريف عطية

مبادرات لقيطة في المسألة الإسرائيلية

شارك الخبر مع أصدقائك

شريف عطية:
 
من بعد نحو 125 عاما من وصول الموجات الأولي لليهود «الييشوف الأول» لأرض فلسطين، يوشك الصراع حولها أن يبلغ أشواطه النهائية.. بقبول عربي جماعي الاعتراف بإسرائيل، والتطبيع الكامل للعلاقات معها.. حال انسحابها من الأراضي التي احتلتها عام 1967 «المبادرة العربية للسلام» ومن بعد أن أمضي العرب قرن وربع القرن من الزمان.. ما بين سبات عميق «المؤتمر الصهيوني الأول 1897»، أو في حالة نعاس سابق لصحوة قومية «وعد بلفور 1917»، إلي اجترار هزائم عسكرية منذ 1948.. لحروب خاضوها ضد إسرائيل.. لم يستعدوا لها مثل الرجال، مرورا بتلك القفزة الدراماتيكية التي حملت رئيس أكبر دولة عربية في نوفمبر 1977 إلي «عقر دولة إسرائيل.. إلي الكنيست ذاته».. عارضا عليها -منفرداً- السلام الشامل العادل، فإذ مبادرته لا تتمخض من بعد لأي دام لنحو خمسة عشر شهرا إلا علي اتفاقية منفردة للسلام.. استردت مصر بموجبها شبه جزيرة سيناء «منقوصة السيادة».. مقابل تسلل إسرائيل إلي داخل الوادي اقتصاديا وسياسيا..، بينما بقيت هضبة الجولان، والضفة الغربية.. رهينتان في قبضة إسرائيل حتي اليوم، وصولاً إلي المشهد الأخير في مارس 2007 الذي بدا العرب من خلاله، وكأن ظهرهم للحائط.. إذ تقدموا جميعهم «أعضاء جامعة الدول العربية»، بأريحية غير مبررة، عارضين علي إسرائيل حال انسحابها إلي حدود 1967.. الاعتراف بها والتطبيع معها، ذلك دون ما يدل من جانبها علي أي مؤشرات إيجابية تخفّض من سطوة الغطرسة والوحشية التي تمارسها ضد العرب، الأمر الذي وضع الطرفين العربي والإسرائيلي علي موجتين مختلفتين بالنسبة للتعامل مع تلك المبادرة العربية الأخيرة.. حيث تراها إسرائيل ليس إلا مجرد تعبير عن اعتراف عربي بالأمر الواقع لهزائمهم .. ومن ثم، فإن عليها مواصلة الضغط للحصول علي كامل شروطها لتحقيق السلام من مركز القوة، بينما العرب لا يملكون من مقومات تنفيذها غير حسن النوايا المتسوّلة للسلام، وهي غير كافية لمواجهة إسرائيل طبقا للقاعدة الكلاسيكية.. «من لا يستطيع أن يحارب.. لن يستطيع أن يفاوض.. وبالتالي أن يسالم».

 
في هذا السياق، يرفض الكثير من العرب المبادرة، ويرون صعوبة تسويقها سواء من حيث مضمونها أو توقيتها علي حد سيان، إذ أن الإدارة الأمريكية لا تملك ما تقدمه للعرب من أجل السلام، كما أن إسرائيل غير مستعدة لمباشرة قرارات مصيرية تتعلق بوجودها.. بينما حكومتها لا تحوز غير 2 في المائة من تأييد الشعب الإسرائيلي، إضافة إلي أن النظام العربي، وهو في أضعف حالاته، فإن الكلام الصادر عنه ليس سوي محصلة لقوته المفقودة، أي أن إرادات كل الأطراف المعنية.. غير مهيأة للتحرك نحو تفعيل المبادرة العربية، الأمر الذي يجعلها بمثابة مبادرة لقيطة، ربما كان الهدف من وراء إطلاقها إلهاء الشعوب العربية.. عبر الإيحاء -خداعا للنظر- بامتلاك من أطلقوها.. لخطاب سياسي لسلام متكافيء.. يصلح لأن يكون بديلا لما تمثله قوي المقاومة العربية والإسلامية في مواجهة الصلف الإسرائيلي والهيمنة الأمريكية، الأمر الذي قد يؤكده تلك التحركات المحمومة للإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط.. لإبرام اتفاقات أمنية ترتكز علي مجموعة الدول 1+2+6.. لحصار أو القضاء علي الإسلام السياسي، بوصفه قوة الرفض الوحيدة لنظام أمريكي سياسي «حضاري».. لا يحترم كرامة الشعوب، أي أن الأمر في محصلته النهائية لا يتعدي الصراع بين ثقافتين أمنيتين سياسيتين.. يجري استخدام المبادرة السلمية العربية للتمويه من خلالها. لأجل تمرير مقايضة جيوسياسية في مناطق البترول في الخليج وشبه الجزيرة العربية حيث تربض القوة الأساسية للإسلام السياسي، وليس لإحلال السلام في شرق البحر المتوسط.

 
لقد أُطلقت المبادرة في بادئ الأمر في مارس 2002.. كرد فعل لحالة الابتزاز الأمريكية المتصاعدة التي تعرض لها، وما يزال، النظام السعودي بخاصة، والنظام العربي -بوجه عام- في أعقاب انفجارات سبتمبر 2001، وبدلاً من التنفيذ العملي للمبادرة منذ ذلك الحين، فقد قامت إسرائيل «شارون» علي التو.. بصفق الباب بشدة «عسكريا» في وجهها، لتتوالي من بعد ممارسات إسرائيل لتفريغ مضمونها خلال السنوات الأربع التالية.. عبر بناء الجدار العازل، وضم أراضي من غور الأردن، ومع انتهاء المرحلة الأخيرة من جدار الفصل العنصري.. تكون الدولة العبرية قد انتهت من رسم حدودها النهائية.. استعداداً لتهيئة الظروف المناسبة لتنفيذ مشروع شارون -أولمرت للتسوية النهائية «أحادية الجانب»، وبالتوازي مع ذلك.. لا يفوت إسرائيل المماطلة لكسب الوقت لصالحها عبر المطالبة بإدخال تعديلات علي المبادرة العربية.. تتصل باللاجئين والحدود والقدس، وفي أن يسبق التطبيع، ويتوازي مع.. التفاوض بشأنها، انتهاء بذلك التصعيد للعنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين منذ ساعات.. الأمر الذي ربما يشير إلي أن تلك المبادرات اللقيطة ترقص -للأسف- علي أنغام إسرائيلية أمريكية، ذلك حين يؤكد مسئولون سعوديون 2002 علي أن المبادرة لا تستثني احتمال إدخال تعديلات بتوافق الطرفين فيما يتعلق بالأراضي الواقعة علي جانبي حدود ما قبل 1967، كما أن قيام عاصمة الدولة الفلسطينية المرتقبة -بحسب السياسي الأمريكي الصهيوني البارز «هنري سيجمان الحياة السعودية 21 الجاري-» لا يعني وضع حد لسيطرة إسرائيل علي جدار الفصل، والمدينة القديمة، والأحياء اليهودية في القدس الشرقية»، ، ويضيف سيجمان «لقد تم التأكيد علي تلك التوضيحات المتعلقة بمبادرة السلام من قبل مسئولين رفيعي المستوي في الإدارة الأمريكية والمملكة العربية السعودية في 21 فبراير 2002» أي قبل خمسة أسابيع من الموافقة علي المبادرة التي قدمها الأمير عبدالله ولي العهد السعودي وقتئذ إلي قمة بيروت العربية نهاية مارس التالي، أما بالنسبة لمسألة حق العودة للاجئين الفلسطينيين.. فقد سبق للجامعة العربية 2002 رفض مساعي دول عربية.. استهدفت تضمين المبادرة الاعتراف بـ«حق العودة»، وكررت رفضها في قمة الرياض 2007.
 
أما بالنسبة للإيقاع الأمريكي.. فالتوقيت الذي اختاره القادة العرب لإطلاق مبادرتهم.. لا يقل سوءاً عنه بالنسبة للإيقاع الإسرائيلي، إذ أن الإدارة الأمريكية الحالية بأدبياتها السياسية المعروفة لا تصنع سلاماً.. إنما تشن حروبا، بزعم ما تدعيه من «الحرب العالمية علي الإرهاب»، وحيث يعتبر الرئيس الأمريكي نفسه «مكلفاً بإرادة إلهية» لشن تلك الحروب.. وسيلته في ذلك -علي حد قوله «الفوضي البناءة».. وهو ما يصفه مستشار الأمن القومي السابق «بريجنسكي» بالأسلوب الديماجوجي.
في ضوء ما سبق، أليس ما قيل عربيا في مبادرتهم «الملهاة» لم يجئ أوانه بعد؟.
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »