شريف عطية

ما بين البعث والعبث

شارك الخبر مع أصدقائك

 :شريف عطية

لم تمض غير ساعات قليلة علي توقيع اتفاق التعاون الاستراتيجي بين سوريا والعراق منتصف أغسطس الماضي.. القاضي بإنشاء »مجلس أعلي استراتيجي، وتمرير خط النفط عبر سوريا«، إلا واحتدمت الأزمة بينهما فيما سمّي بالأربعاء الأسود الدامي.. راح ضحيتها مئات العراقيين، وحيث وجهت الحكومة العراقية الاتهام إلي سوريا بأنها وراء هذه التفجيرات، وليتراجع سريعا من قبل أن يبزغ الأمل.. بالربط الاستراتيجي والفيزيائي المأمول بين الدولتين »النواة« لبوابتّي العالم العربي الشرقية والشمالية.. الموشكتين علي التآكل بفعل الخلاف القديم الجديد بين بغداد ودمشق، خاصة إذا اتجهت الأزمة الجارية بينهما إلي التدويل.. علي غرار ما كان بالنسبة لكل من الأزمة العراقية – الكويتية 1990..، والأزمة السورية – اللبنانية 2005.. اللتين تتواصل توابعها إلي اليوم، وحيث لن يقتصر تردي العلاقات العراقية – السورية عندئذ علي فتح أبواب الخلافات الداخلية في بغداد علي مصراعيها كما هو الحال الآن، أو إلي تملص إسرائيل من مستحقات السلام مع سوريا بحسب التصريحات الإسرائيلية – الأمريكية الأخيرة، إنما سوف تمتد توابع هذه الأزمة بين بغداد ودمشق.. غربا من شرقي السويس إلي شرق البحر المتوسط.. ناهيك عن توسط – الأزمة – علي الدوتين العربيتين المأزومتين.. للمنطقة الجغرافية الأكثر حيوية علي الصعيد العالمي، الأمر الذي ستتواصل علي الدولتين العربيتين المأزومتين بمقتضاه، ضغوط القوي الإقليمية والدولية ذات المصالح المهمة في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما سوف ينعكس إلي أبعد من سوريا والعراق ليتماس بالسلب مع علاقات المصالح القومية بين الدول العربية عموما.

إن استمرار حالة التنافس والتناحر بين سوريا والعراق – من وجهة نظر غير عربية – يحول بالتأكيد بين فاعلية اتصال الجبهتين الشرقية و الشمالية، الأمر الذي قد يشكل تكتلا عربيا – إسلامياً راديكاليآً يمتد من لبنان إلي شرق العراق.. مرورا بمنطقة الخليج، وهو ما قد تتزايد فاعليته حال ارتباط هذا التكتل الناشئ بالتنسيق »المتكافئ« – فيزيائيا – مع كل من تركيا وإيران عبر مايجري التخطيط له من خلال مد شبكات الغاز والسكك الحديدية والطرق والموانئ التي تربط بين بحور أربعة: المتوسط، الأسود، وقزوين، ومن بحر العرب حتي البحر الأحمر، الأمر الذي من غير المسموح به – من وجهة نظر الغرب – أن تصبح هذه الكتلة الجيواقتصادية ألعوبة في أيد غير صديقة للغرب.

إلي ذلك السياق، يمكن النظر إلي المقدمات الجارية في العراق منذ 2003.. لتمزيق هويته وكياناته، وإلي تواصل محاولات عزل سوريا منذ 2005 لتكون لقمة سائغة للغرب أو الشرق علي حد سيان، ناهيك عما يجري علي غرارهما في لبنان.. وفي باقي العالم العربي بشكل أو آخر، وليعاد اتساقا مع ما سبق.. إعادة إنتاج المخاوف الأمنية مجدداً بين الجارين العربيين الكبيرين.. كمدخل للعبث بالأمن القومي العربي، خاصة إذا ما جري تكريس التناحر السوري – العراقي الاستراتيجي، عبر توظيف اعتبارات الجغرافيا السياسية لئلا يتقارب البلدان المتاخمان.. التي كانت العلاقات بينهما علي الدوام من ضحاياها ولذا لم يكن من غير المنطقي أن تشهد العقود الثلاثة الأخيرة تدهوراً متصاعداً (…) في العلاقات بينهما، إما بسبب الخلافات الأيديولوجية بين جناحي حزب البعث في البلدين، أو بسبب الحرب العراقية – الإيرانية، أو جراء غزو العراق للكويت، أو باتهام سوريا بعدم الجدية في القتال مع إسرائيل، أو لخلافات تعود للماضي.. يحلو للبعض ردها إلي حقب تاريخية مندثرة، وما إلي ذلك من مسائل لا ناقة لهما فيها ولا جمل.. إلا للولايات المتحدة ومن في معيتها من حلفاء أو وكلاء محليين.. وبحيث تتعطل من جرائها العلاقات التبادلية المأمولة بين الدولتين المركزيتين العربيتين، مما قد يؤدي إلي نسف العملية السياسية الجارية في بغداد عقب الانسحاب الأمريكي، وإلي استمرار عزل سوريا عن عملية السلام في المنطقة، فإذا ما جري استطلاع الباعث المستفيد من وراء الأزمة العراقية – السورية، لأمكن الاهتداء إلي من وراء هذا العبث بالأمن القومي العربي.

شارك الخبر مع أصدقائك