رجائى عطية

ماهية الزمن ‮(‬2ـ2‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائي عطية

وتقدم الإنسان في الفهم والمعرفة، هو علي أهميته الهائلة- نسبي وجزئي كأي تقدم سبقه وربما كأي تقدم يتلوه أو يلحقه.. فهو نسبي من جهة أنه أزال أخطاء وجهالات وعقباتٍ ولما يرفع مجاهل مازالت أعمق وأكثر.. وهو جزئي لأنه لم يغير تغييراً حاسماً وجدان الآدمي وأعماقه وإن كان قد غزا الكثير من عاداته السابقة وسلوكه القديم ومازج أفكاره وتصوره لدوره في هذه الدنيا.

فما زالت أغلبية البشر هنا وهناك، في البلاد المتقدمة أو غير المتقدمة، تربط نفسها بالزمن في جدها وهزلها وتعبها وراحتها وعملها وفراغها.. ولا تكاد تفارق أو تستغني عن وجود الساعة في الجيب أو في اليد أو علي الحائط، وفي الميادين والشوارع والمحلات العامة، وفي البث الإذاعي والتليفزيوني والإلكتروني، وفي المعمل والمصنع والمتجر المرصد والمعهد.. إلاَّ أن هذه الساعة أياً كانت- هي مجرد أداة أو آلة لا تختار أو تحدد مساعي البشر، ولا تشعر بشيء مما يدور في خواطرهم.. فالبشر هم الذين يتقيدون أو لا يتقيدون بما تشير إليه عقارب الساعة من اصطلاح.. وهم الذين ينظرون فيها ويرتبون علي ذلك ما يشاءون من أغراض، وما يتحرك داخلهم من عواطف. فالساعة كآلة لا تحرك في عقل الآدمي أو في نفسه أي رغبة في معرفة ماهية الزمن كوجود يتميز عما يضاف إليه من المضافات.. فعندما يحملق الإنسان في الساعة، لا يتجاوز معرفة وقت الشيء الذي في خاطره كشأنه فيما يتعلق بأي أداة من أدوات أو آلات الأغراض اليومية أو المهنية أو الحرفية أو الترفيهية.. لأن الناس لا يصنعون الساعات إلاَّ لخدمة أغراض الناس.. وهذه كلما اتسعت راجت معها صناعة أو تجارة الساعات لدي البشر.

ويبدو أن البشر- قديما وحديثا- لا يربطون بين حقيقة الزمن وبين الإنجاز، ويرون أن الزمن يطول بتأخير الإنجاز ويختصر بالإسراع فيه.. ومن هذه الناحية يشبه الزمن عندهم التصور الذاتي.. يظل الساكن علي سكونه في حال السكون وزمنه إلي أن يحركه متحرك، ويظل المتحرك في حال الحركة وزمنها إلي أن يوقفه عن حركته موقف. فالزمن ظرفية فقط للأحداث الدنيوية، لكن أحداً لا يدري هل هذه الظرفية خارجية كظرفية النور والظلمة، والريف والحضر، والصيف والشتاء- أم هي ظرفية داخلية ضمن تكوين الحدثْ، كعدد وترتيب ذرات الجزيء، وفقد واستعادة إلكترون الذرة أو تفرق نواتها لدي تحطيمها. وهذا ربما يجعل زمن البشر ” فضلة ” و ” إضافة ” هامشية قد تلزم الآدمي لفهم محيطه، لكنها لا تلزم لوجود الكون ذاته وما اشتمل عليه.

وحياة الأحياء استمرارية ؛ ذات بداية ونهاية في محيط متقلب، يجئ للحي بالنافع له والضار من الأحداث في تداول يحتوي علي تعاقب شبه منتظم المسافات بين كل حدث ونظيره. وقد عرف الآدمي ذلك من قديم، فحسب أوان الأحداث والأشياء وحينها، وراقب أواناً للإبذار وللأزهار وللإثمار والحصاد، وأواناً للحر والركود، وأواناً للنسائم والريح المواتية، وأواناً للبرد والثلج والنو والعواصف والأعاصير والزلازل والبراكين في الأمكنة المعرضة لها.. وأمَّن نفسه علي قدر طاقته لمواجهة كل أوان بحسب ما يلائمه.. ووَصْفُ ذلك بأنه وقت أو موسم أو زمان- يعني فقط أثر ذلك علي ذاته وذويه وأحواله، وما يتطلبه من تصرف من واقع الخبرات والمشاهدات السابقة في المحيط.

وحين عُرِفَ أن الآدمي يدين للضوء في رؤيته لنفسه ومحيطه، وعُرِفَ أن الضوء أعلي الطاقات المعروفة سرعة وأنه كما يشاهد أمواجاً في مجاله قد يشاهد جسماً في جسم، فإن الفيزياء الحديثة قد جمعت بين الزمان والمكان الفيزيائيين في وحدةٍ واحدة لايعترف بها إلاَّ أهل العلم الوضعي، ولا معني لها عند الإنسان العادي الذي مازال يتداول كلمة الزمن أو الزمان كما كان يتداولها آباؤه وأجداده بغموضها وسيولتها وانطباقها علي كل شيء وكل حدث للحي، وغير الحي وعلي الكون نفسه بدايةً ونهاية.

    وربما كانت سيولة وغموض فكرة الزمن والوقت في وعي الآدمي- من أنها جزء من وعيه نفسه وإحساسه بالصيرورة والتغير الدائبين، ومن استناد ذلك الوعي والإحساس لدي الآدمي إلي ثبات الأرض في نظره ودوام ثباتها، ومن اعتياده علي قياس أعمار الأحياء والأحداث علي أساس ذلك الثبات برد الأعمار والمواقيت إلي بدايات أو تقويم بدأت كلها علي الأرض ومن حياة الآدمي عليها.

وبرغم فقد الأرض ثباتها وأهميتها الكونية في نظر العلوم الوضعية والحديثة، خاصة في نظر علوم الفيزياء والفلك- فإن الأرض لم تفقد أهميتها القديمة في عين الإنسان العادي الحالي الذي مازال يعي ويمس الزمن ومرور الوقت ويحسبهما كما كان يفعل آباؤه وأجداده.. مستعيناً بآلات حساب الزمن وبيان الوقت. ومازال معظم الآدميين يرجون مخلصين بطريقة أو بأخري- الحياة الآخرة بعد الموت، ويرجون فيها حياة باقية ثابتة غير محدودة، لا تقبل التغير والتحول، ولا تقاس بزمن أو وقت في أحداثها وأجزائها جميعاً، ولا تخضع إلاَّ لمشيئة واختيار كل صالح من الراجين الموعودين بها.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »