رجائى عطية

ماذا يتعاقب علي وعينا ؟‮!‬ ‮»‬3-3‮«‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائي عطية
 
إن كل ما مع الإنسان من تقدم في الإدراك، بل كل ما معه من الحياة والوجود، ينتهي إلي غير رجعة وتطوي صحيفة البشر وتنمحي معالمها ـ إن قامت فيما بينهم حرب نووية يستعمل فيها البشر كل أو جزء المخزون الذي لديهم الآن من قنابلها وصواريخها ومعداتها وموادها وأجهزتها. وحين تطوي صفحة البشر وينمحي وجودهم ـ لن تبكي عليهم سماء ولا أرض!!
 
لم يجزع عموم البشر من هذا البلاء الشامل، ولم يتخذوا حذرهم منه بترك الغرور والحماقة والولع بالشقاق والخلاف والاستخفاف بإشعال الفتن والثورات والمعارك والحروب، ولم يفيقوا من استخفافهم العجيب بالعيش في عالم بات مهدداً بالدمار والفناء.. وسلخوا في ذلك أكثر من ستين عاماً ـ بدأت بتصور احتكار سر صنع هذا البلاء الشامل للتسيد علي العالم بالاستناد إليه.. فلما فشا سره، سارعت الدول علي اختلاف أحجامها وإمكانياتها وتقدمها ـ إلي التنافس علي اقتناء حظها من هذا البلاء المدمر ـ بالصنع أو بالتطوير أو بالشراء.. وأنفقت في سبيل ذلك ما تقدر وما لا تقدر عليه، دون أن يتفطن المتسابقون إلي أن ذلك قد يؤدي ـ في لحظة!! ـ إلي ضياع كل شيء وضياع الكل بمن فيهم من تنافسوا لحيازة هذا السلاح المدمر.. وما زال هؤلاء غرقي صباح ومساء دون أن يصغوا إلي صياح العقلاء في كل بلد ـ بالتحذير والإنذار قولاً وكتابةً وتصويراً ـ من عواقب هذا البلاء.. أسري لغفلة تكاد تكون تامة، وانغلاقاً في الأساليب والعادات التي كانت سائدة قبل اختراع ووجود هذا البلاء المميت الشامل.. وتضيع سدي تحذيرات العقلاء الذين لم يعد لهم حيلة في إيقاف هذا الطوفان المغرق الذي غمر أحوال البشر!
 
إن سيطرة العادات الفكرية والسلوكية علي حاضر البشر ومستقبلهم، تقريب أقوي دلالة من كلمة عقولهم.. وهذا إلي وقت قريب من أسباب بقائهم وشقائهم معا.. ولكن مع وجود أسباب هذا البلاء الشامل وانتشارها جدا صار انقضاضه محتملا ومعه انتهاء البقاء وشمول الفناء!!
 
وما زال وعينا علي حالته.. يسيل عشوائياً في غالب الأحوال كمجري الماء في المرعي والسهل.. يقابل الوهدة ويلتف حول الصخرة ويتجاوز المرتفع.. منحرفا عنه منقاداً في ذلك إلي فطرته متأثرا بطبيعة مجراه وأجوائه.. يمتلئ وقتا وينضب أوقات.. لا يغير فيه شراع العقل والفهم شيئا إلاَّ في حدود مسافات يبدو أنها لا تحول دون اندفاعه إلي جفاف في صحراء أو إلي انتهاء في بحر. وكل منا قطرة من قطرات السيل تنتهي فرديتها حتماً أثناء مسيرته بعد أن تؤدي حصتها التي لا تشعر بها في جريانه ومعها وعيها الفردي المؤتلف من وعي آخرين ماضين ومعاصرين ـ بعد أن ينتقل بعض محتواه لمن يجل ذلك المنتهي الذي لا يبالي به أحد بعد انتهائه.. فلا يعزه أحدٌ ولا يعرفه أحد حتي الوارث الذي ورث تركة الراحل ولا يعرف كيف ينتفع أو يضار بما كان من وعيه.
 
والمجلدات التي ليس لها حصر الموجودة في المكتبات العامة والمكتبات الخاصة وفي دور الكتب التي تعني بإقامتها الدول المتقدمة ـ هذه المجلدات فيها آثار من قطرات بشرية معظمها انتهي ولم يبق منها ما يشهد علي حياتها الفردية إلا الأسماء فقط.. هذه الأسماء التي لا يحفل بها كثيراً من يطلع علي هذا المؤلف أو ذاك أو يقتنيه ليطلع عليه أو لا يطلع ـ إن سمح وقته بالاطلاع عليه!
 
ويتكون من حصيلة الاطلاع والاقتناء من لا عداد لهم من الأفراد.. ودون أن يعرفوا بعضهم بعضا أو يتعارفوا.. ويزيد ذلك في شيوع المعارف والمعلومات والآراء والمصدقات والمعتقدات من الأفراد إلي المجاميع والجماعات التي تعيش وتستمر برغم فناء الأفراد المحتوم وانتهاء أعمارهم المحدودة بما كان في وعي كل منهم مما قد لا يسبر أغواره أو يتعرف علي أعماقه وتراكيبه أحد!
 
وبديهي أن حياة الفرد مهما يكن حظه من الدنيا ـ أغني بكثير بفضل ما جهزه الخالق عز وجل به من أعضاء وأجهزة وملكات واستعدادات ، وما هيأه له سبحانه وتعالي من فرص وامكانات أغني بكثير جدا مما يتركه بعد وفاته.. كثر أو قل. ويبدو أن هذا الغني ليس مقصوداً لذاته وإنما لأجل ما يمكن أن يتركه للمساعدة علي بقاء الجماعة البشرية والمجتمع والنوع!
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »