رجائى عطية

ماذا يتعاقب علي وعينا ؟‮!‬ ‮(‬3-2‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

 رجائي عطية
 
إن السعة التي وصل الآدمي إليها الآن في البلاد المتطورة، في الفهم والقدرة علي التعبير عنه باللغات والإشارات والأدوات والأجهزة ومما لا يكاد يحيط به الإنسان العادي- هي سعة غير مسبوقة، لازمها احتشاد والأفكار والآراء والمعارف.. وذيوعها وتسجيلها بما لم يسبق له نظير.. وكل ذلك فتح أبواب التعارض والتصادم والشك والحيرة علي مصراعيها.. وظهرت في أوساط العامة الجرأة العنيفة في التفكير والتصور بعد أن كانت خاملة أو خامدة.. وظل الحكم المطلق الذي دام دهوراً وأحقاباً- ظل يصادف هذه الجرأة العنيفة التي وجدت حريتها وانطلقت في جميع الاتجاهات.. ما يبدو منها حسناً وما يبدو غير حسن.. نافعاً أو ضاراً.. صحيحاً أو باطلاً.. واقعاً أو خيالياً.. إلي أن تجد هذه الجرأة العنيفة من يضبطها أو ما يضبطها من داخلها.. ولكن السؤال: هل يمكن الآن ضبطها من خارجها، وهل يمكن قيادها بحزم في طريقها الطبيعي من أيد خلاف بيئتها ومحيطها ؟!
 
يبدو أن أغراض البشر في جماعاتهم- اختلفت في تحديد من يكونون حكاماً ومن يكونون محكومين.. واتفقت في نشدان القوة المحسوسة الملموسة والتنافس عليها كلٌّ بوسائله التي تتيحها أو تهيئها له طبقته.
 

كانت وسائل الحاكمين هي القوة المستندة إلي سطوة الأتباع والأعوان.. القوة التي لا غني للحاكم عنها.. يخيف بها سواد الناس ويخضع بها مقاوميه ومعارضيه، أو يفضي بها عليهم فتدين له الأنفس والأموال في الجماعة، ثم يجيء دور استمالة الحاكم للمحكومين بالأبهة والعزة، وبالإحسان والرعاية، وبالالتفات إلي الكبير والصغير.. بينما كانت وسائل المحكومين وسائل فردية.. عديدة متفرقة.. تتقاسمها الطبقات والفئات والطوائف والمهن والتجارات والحرف والصناعات والزراعات والتعدين والصيد وتربية الحيوان ووسائل النقل في البر والبحر والجو.. هذه جميعاً تبتغي الثروة والمزيد من الثروة التي تكفل لصاحبها ولورثته من بعده- احترام وتلبية وخضوع الآخرين.. فالمال قوة لا نظير لها ومحل احترام علي كل حال وفي كل عصر.. هذا المال لا يعنيه ولا يهمه البكاء علي الحرية والأحرار، وإنما يهمه التراكم والاكتناز ورواج الحال.. لذلك يميل أصحابه، طلباً للأمان، للتوافق مع السلطة ودعمها ومناصرتها وتحاشي الاصطدام بها.. وتجدهم أسرع الفئات إلي تأييد الانقلابات والقوي الراجحة في الفتن والثورات، ولذلك يكونوا أسرع الجالسين علي مقاعد الحكم حين تستوي سدته للقائمين بالثورة أو الفتنة أو الانقلاب !!!
 

ولا يزال الجري وراء القوة المحسوسة- أول الغايات في مجتمعات الآدميين علي اختلاف حظوظها من التقدم والتأخر.. ولا تزال هذه القوة هي سناد أو عماد تقدم العلوم والمعارف والفنون والآداب والصناعات.. ذلك التقدم الذي تجاوز إلي الاستعانة الهائلة بالطاقات والمجالات- إلي توجيه وتحريك آلات وأجهزة السلم والحرب في كافة الأغراض وبقوة ودقة لم يكن يتصورهما البشر من قبل.. من أبعد البعيد في الفضاء اللا محدود، إلي أقرب القريب في الجزيء والذرة.
 
بذلك كله مما تعاقب ويتعاقب علي وعي البشر وفهمهم- دخلوا في عصر رهيب.. فيه يتباري البشر وجماعاتهم ويتنافسون في استخدام قدرات وقوي لا تعرف حداً.. سواء في الإعمار أو في التخريب.. في الإحياء أو في الإهلاك والإفناء.. وتجلي أثر ذلك في عجز البشر الحالي عن إصلاح أحوالهم وتهذيب أغراضهم.. وزادت مخاوفهم وزاد طيشهم واندفاعهم نحو امتلاك تلك القدرات والقوي التي لا ترد ولا تصد.. بات الأمل في بقاء البشر محدوداً فيما يبدو لمن يتأمل مصيرهم.. وبات التطور العظيم في المعارف والعلوم وتطبيقاتها العجيبة المذهلة- بات أقرب إلي النذير منها إلي الإرهاص بالخير والبشارة بالمزيد من التعقل والاعتدال والصبر ومعرفة قيمتها في فهم نواميس الوجود ناهيك باحترامها والانتفاع بها والعيش في ظلها!

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »