رجائى عطية

ماذا جري لنا؟‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائي عطية 
 
جرت عيناي، في الأيام الثلاثة الأخيرة، علي صفحات الحوادث في صحفنا القومية والحزبية والمستقلة، فهالني ما بات فيها من أخبار الجريمة التي لم تقتصر علي ارتفاع وتزايد معدلاتها، وإنما علي طروء أنواع من الجرائم تشف عن خلل هائل وعميق ومتجذر أصاب الفئات المهمشة ـ وغير المهمشة ـ من المجتمع.
 
تفاصيل مثيرة عن حادث مقتل زوجين طاعنين في السن، قتلة بشعة، الزوج في الخامسة والسبعين، والزوجة في الستين، في قرية وادعة من قري مركز كرداسة .. المفاجأة الموجعة أن تكشف التحريات عن أن مرتكبي هذه الجريمة البشعة: حفيدة القتيلة، وهي في الثامنة عشرة، بمعاونة زوجها العامل ابن العشرين .. قتلاهما بأجنة حديدية إنهالا بها علي رأسيهما وهما يجلسان إليهما يحتسيان الشاي الذي صنعاه لهما، ويأكلان الفاكهة التي قدماها إليهما . ولكن لماذا ؟! لماذا هذه الوحشية والغدر ؟! ما الذي يجعل الإنسان يشذ عن باقي المخلوقات فيقتل نوعه بل أصوله، بينما نري قطعان الأسود والنمور والجاموس والتياتل والخراتيت والضباع وكافة أنواع الوحوش والضواري، يتحامي كل منهم في قطيعه، فلا يقتل الواحد أحداً من نوعه، بل يقاتل عنه ومن أجله، فما الذي جعل الحفيدة تقتل جدتها وجدها، وتزين هذه الجريمة أو يزينها لها زوجها .. ما هي الحاجة، وما هو الباعث الذي خرج بهما عن أبسط مبادئ الإنسانية إلي هذه الوحشية التي أهدرت وسفكت وسفحت القرابة والصلة وقابلت الإحسان والضيافة بالغدر والخيانة والقتل!! قيل علي لسان القاتلين إنهما يمران بضائقة مالية، تري ماهي؟! قالا إنهما فشلا في سداد أقساط منقولات الزوجية، ولم يجدا سبيلا، إلاّ بهذه القتلة البشعة، لسرقة صندوق مصوغات الجدة، دون أن ينسيا خلع ما كان في معصمها من مصاغ قبل أن يفرّا هاربين!
 
وفي مجال التعليم، تتحول العلاقة بين العاملين في محرابه، إلي »ملاكمة« دعت مدير إحدي المدارس، بأحد أحياء القاهرة، إلي الاعتداء باللكمات والركلات التي أدت إلي إجهاض مدرسة لأنها تجرأت وشكت للإدارة التعليمية من عدم مساواته في توزيع الحصص بينها وبين زميلاتها! بينما تحمل الأخبار نبأ مدرسة تحولت إلي وحش كاسر، فجعلت تضرب تلميذتها التي تجاوزت العاشرة بالكاد، ضرباً مبرحاً أحدث إصابات وكدمات في أجزاء متفرقة من جسمها لم تجد أسرتها إزاءها إلاّ أن تذهب بإبنتها الطفلة المجني عليها إلي النيابة العامة! بينما تحمل الصحف نبأ اقتحام ضابط لمدرسة بأسيوط ليعتدي بحرم المدرسة علي أحد المدرسين بالضرب لخلافات بين زوجة الضابط المدرسة بالمدرسة وبين زميلها المدرس المعتدي عليه! بينما نري في الأخبار نبأ طالب بإحدي المدارس الثانوية بشبرا الخيمة يحاول الدخول إلي مبني الطالبات، فلما نهاه أحد المدرسين، لم يجد إلاّ أن يخلع ملابسه ويتعدي بالسب علي المدرس الذي حال بينه وبين ما يريد!!
 
ويبدو أن التعليم قد صار نهباً للجريمة والمجرمين، وصار تزوير النتائج لا يكتفي بالغش في لجان الامتحانات، وقد صار ظاهرة جماعية، وإنما انطلق إلي عالم جديد قوامه السطو والاقتحام، كشأن السرقة بالإكراه، فتحمل الأخبار نبأ طالب بكلية الهندسة بجامعة الإسكندرية، قام باقتحام مبني الكنترول وتزوير ثلاث كراسات إجابة . كشف هذا الاقتحام عن جريمة أخري هي بلوغ علم الطالب برسوبه في المواد الثلاثة ، فانتهز انتهاء اليوم الدراسي ليجري عملية الاقتحام وتزوير كراسات الإجابة ليغير النتيجة!!
 
ويبدو أن المذابح العائلية قد صارت سنة متبعة تعكس تردي أحوال وروابط الأسرة المصرية، فلم يكن قتل الجدة والجد بيد الحفيدة وزوجها هو كل حصاد الجرائم العائلية هذا الأسبوع، فحملت الأخبار نبأ إحالة مرتكب مذبحة أسرته بالمطرية إلي محكمة الجنايات، بعد أن تحول سعيه لمصالحة زوجته، إلي جريمة قتل بشعة حصد فيها أرواح صهره وابنة زوجته دون أن ينسي إصابة زوجته وأمها بإصابات بالغة، ويعلم الله هل امتدت نيته إلي الشروع في قتلهما أم اكتفت أصلاً بالإصابة . هذا بينما أودع بمستشفي الأمراض العقلية ـ تاجر الأخشاب الذي أدار مذبحة في دمياط حصد فيها أرواح زوجته وأمها وابنتها وشرع في قتل أولاده وأمين الحزب الوطني السابق وأحد المارة!
 
ولما قيل إنه بسبب خلافات مالية، يكشف بلاغ اختفاء طفل في قنا، تلقت أمه مكالمة تليفونية علي هاتفها المحمول من إحدي الدول العربية عن خطفه وطلب الخاطف ربع مليون جنيه فدية لإعادته مع التحذير المشدد من إبلاغ الشرطة، وتكشف التحقيقات عن أن الخاطف المدبر هو ابن عم والد الطفل المخطوف، بمعاونة ابن عمهما المزارع، حيث نجحت الشرطة بعد لأي في الاهتداء إلي مكان إخفاء الطفل، وإعادته إلي أمه!
 
ولم يكفنا تلوث البيئة التي ضرب تلوثها في الحيوان والنبات والإنسان، فأقدم راعي أغنام تسممت ماشيته ـ ونفقت ـ أقدم علي بيعها إلي الجزارين لينتقل السم مع اللحم الذي عَز ـ إلي أجواف الآدميين!
 
وآخر مات ضميره، لم يكد ينتهي من تنفيذ حكم بالسجن سبع سنوات عن جناية تخابر، حتي احترف سرقة السيارات، وجعل مع عاطل ـ ينتحل صفة ضابط مخابرات لسرقة السيارات وبيعها بأوراق مزورة لتاجر أدوات صحية بالبساتين!
 
ومن عالم الجريمة الفردية إلي عوالم الجرائم الجماعية، تحمل الصحف أخبار قتال عنيف دار بين أصحاب المحلات في شارع رمسيس بوسط القاهرة، تبادلوا فيه إطلاق الرصاص، حيث أصيب سبعة أفراد من الطرفين . الغريب أن هذا القتال بالأسلحة النارية نشأ عن مستصغر شرر حين عجز أصحاب محلات قطع غيار السيارات وورش الدوكو والميكانيكية عن التفاهم لتنظيم استخداماتهم لجانبي الشارع، فحل التراشق بالأعيرة النارية والشوم والحجارة، محل الحوار والتفاهم، مع أن المتقاتلين أصحاب جيرة ممتدة لسنوات بل لعشرات السنين، في مظلة مجتمع يتواصي بالجيرة والجار، ويتبادل بالأقوال والملصقات أحاديث إسلامية ومسيحية توصي بالجار، فنسوها بما فيها حديث رسول القرآن عليه السلام: »مازال جبريل يوصيني بالجار حتي ظننت أنه سيورثه«!
 
  لم يعد يكفي أن نشعر بالإكتئاب مما صار مدوياً زاعقاً مؤسفاً من حولنا .. هناك ظواهر طفحت، تستطيع إجمالاً أن تردها إلي الفقر والجهل والبؤس والمعاناة، ولكنها لايجوز أن تؤخذ علي الإجمال، وواجب علي علماء النفس والاجتماع وكل المعنيين بالشأن العام أن يدرسوا ويتدارسوا أسباب هذا الطفح الذي طفق يتفشي في حياتنا، وينذر ـ إن لم نتدارك أسبابه! ـ بأوخم العواقب التي لن ينجو من عوادمها وويلاتها أحد!
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »