رجائى عطية

ماذا أصاب المحاماة؟‮!‬ هل تفرقت دماؤها بين القبائل؟‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

جدد الكاتب الباحث الدءوب، الأستاذ ماهر حسن الذي أواظب علي قراءته سواء في المصري اليوم أو في العربي الناصري ـ جدد أحزاني وأشجاني علي الحال المخيف الذي آلت إليه المحاماة ونقابتها، حين قرأت في بابه بعدد الجمعة 19/2/2010 عن استقالة الزعيم الكوبي الكبير فيدل كاسترو في مثل هذا اليوم سنة 2008.. أن هذا الزعيم العظيم الذي ملأ الدنيا وسطر صفحات وضاءة لوطنه محتفظا له باستقلاله وكينونته أمام الولايات المتحدة التي تقع كوبا في مرماها، والتي حاولت اغتياله غير مرة، وأمام الاتحاد السوفيتي الذي سانده زمنا، ووقف إلي جوار كوبا في الأزمة التي عرفت بخليج الخنازير التي كادت تصل إلي مواجهة آنذاك بين القطبين، لولا أن انتهت بسحب الصواريخ الروسية من كوبا مقابل سحب أمريكا لأسلحتها التي كانت تهدد الاتحاد السوفيتي من تركيا، والالتزام بعدم غزو كوبا.
 
الذي حرك الأشجان وجدد الأحزان، ما ذكره الأستاذ ماهر حسن من أن هذا الزعيم الكبير المولود 13 أغسطس 1926، كان من خريجي الحقوق، فدرس القانون في جامعة هافانا التي تخرج فيها عام 1950، وعمل بالمحاماة ومارسها فعلا لسنتين قبل أن يخوض لجج الكفاح الوطني في بلده، إلي آخر سيرته التي توجته علي قمة الحكم وواحداً من أبرز زعماء العالم الثالث.
 
لم أكن أعرف حين كتبت رسالة المحاماة أن فيدل كاسترو من خريجي الحقوق، وعمل بالمحاماة، مع أني كنت أفتش عن حضور المحاماة والمحامين في الحياة الوطنية والسياسية، والفكرية والثقافية، في مصر والعالم.. قاصداً أن استدعي التفات المحامين إلي ما كانت عليه المحاماة، لنخرجها من وهدة الأزمة التي تحيط بها وتفرقت مسبباتها بين فرقاء نهشوا فيها من كل جانب، حتي انطبق عليها مقولة أن دماءها النازفة قد تفرقت مسئوليتها بين القبائل، كل بأغراضه ومآربه التي صبت في ضرب النقابة وتعقيم المحاماة التي لا زالت تنادينا بالعودة إليها!
 
ذكرت فيما ذكرت في رسالة المحاماة، عن الحضور الوطني والعالمي للمحاماة والمحامين، أن المطالع لمدونات التاريخ ومؤلفاته، ومذكرات القادة والزعماء والرؤساء، والدراسات السياسية والثقافية، وما كتب عن المحاماة والمحامين، وتصانيف الحركة الوطنية والحياة السياسية والفكريـة فـي مصر ـ يلاحظ ظاهـرة جليـة لا تخطئها عين.. ظاهرة حضور المحاماة والمحامين والحقوقيين بعامة، في مقدمة المد الوطني، وفي مضمار السياسة والحكم، وفي زعامات الأحزاب وعضوية ورئاسة الوزارات، ورئاسة وعضوية مجلسي النواب والشيوخ، ومن بعدهما مجلسي الشعب والشوري، وفي ريادة الفكر والأدب والثقافـة والصحافـة.. يجد منهم »الزعيم«، و »الرئيس«، و»الوزير«، وزعماء الحركة الوطنية، ورؤساء الوزارات والمجالس النيابية والأحزاب، ونجوم الفكر والأدب والثقافة، ورؤساء تحرير الصحف والدور الصحفية.. ذلك واقـع حاصل في مصر وفي العالم العربـي، وفي أوربا والهند، وفي أمريكا.. فـي إحصائية أوردها دونالد. إم. ريد ـ الباحث الأمريكي والأستاذ الجامعـي صاحب كتاب: »المحامون والسياسة في العالم العربي منذ 1880 ـ 1960« ـ وقد كتبت مقدمة ترجمته لمؤسسة روز اليوسف ضمن سلسلة الكتاب الذهبي.. تقول الإحصائية إنه قد تولي رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية حتي عام 1960 ـ 25 رئيسا من المحامين والحقوقيين من بين 39 رئيساً.. يضاف إلي هذه الإحصائية الرئيس ريتشارد نيكسون المحامي الذي ترأس الولايات المتحدة في السبعينيات بعد تاريخ هذه الإحصائية، والرئيس الأمريكي لدورتين متتاليتين المحامي بيل كلينتون الذي استطاع أن يفوز في الانتخابات علي جورج بوش الأب صاحب القدرات الفذة والسجل العريض.. بزوغ نجم المحاماة والمحامين في أوربا ظاهرة لافتة، بدءاً من الحركات الاجتماعية، ومروراً بالثورات، ثم بمناصب الوزارة ومراكز الإصلاح.. كان المحامي روبسبير أحد ألمع وأبرز زعماء الثورة الفرنسية (1789م)، وكذلك كان المحامي لينين الثائر وزعيم الثورة البلشفية الذي غير وجه التاريخ في روسيا القيصرية، بينما كان المحامي ألكسندر كيرنكلسي مصلحاً اجتماعياً صاحب نظرية خاصة في الإصلاح.. من بين المحامين والحقوقيين في أوربا برزت نجوم لامعة في الحرية والوطنية والسياسة والإبداع الفكري والأدبي والاجتماعي والاقتصادي.. منهم كالفين، وفرنسيس بيكون، وميكيافيللي، وكورنياي، وليبنتيز، ومونتسكيو، وفولتير، وديدروت، وهوم، وبنتام وغيرهم.. بينما تطالعنا في الهند صورة المحامي غاندي الذي صار اسمه أسطورة للمقاومة السلمية، واستطاع بها أن يقود حركة إحياء عمت الهند، وأن يقض مضاجع الاحتلال الإنجليزي في شبه القارة الهندية!
 
في العالم العربي المعاصر تطالعك من المحامين والحقوقيين صورة »الملك« الحسن الثاني ـ صاحب الاتجاه المحافظ، وصورة الليبرالي الوطني التونسي الحبيب بورقيبة، وفارس الخوري الرئيس السوري، ومن الاتجاه الاشتراكي ـ مع الفـارق: كمال جنبلاط فـي لبنان، وصدام حسين التكريتي الذي حكم العراق أمداً حتي انتهي حكمه بالنهاية المأساوية التي صاحبت الغزو الأمريكي البريطاني للعراق وانتهت بإعدامه في مشهد مثير أول أيام عيد الأضحي!!
 
من الشام، برزت أسماء أخري عديدة.. أمين الجميل المسيحي السوري مؤسس جريدة »الحقوق«، وهو شقيق اليساري المعروف شبلــي جميل.. ويوسـف عسـاف السـوري المسيحي محرر جريدة »المحاكم« ثم جريدة »الشريعة« التي ظهرت 1893/1894 بمبادرة من المحامي والحقوقي المصري أحمد لطفي السيد (أستاذ الجيل)، وإسماعيل صدقي الذي شغل منصب الوزارة كثيرا وتولي رئاسة الوزارة المصرية عدة مرات. ومن الرعيل الأول نيقولا توما الذي توفي سنة 1905، وأحد معاصري سعد زغلول والهلباوي في مصر.. وكان مع أمين الجميل ممثلا للأنماط المهنية للمسيحيين السوريين، وانضم للتيار المتدفق إلي مصر من الشام، وصار واحداً من صفوة المحامين في زمانه.. بالتوازي معه شارل داباس واسكندر عامول من لبنان، وجميل مرادم من سوريا، وعوني عبد الهادي من فلسطين، وتوفيق السويدي من العراق.
 
زعماء مصر ورجالاتها الكبار، في العصر الحديث، كانوا جميعاً ـ قبل 1952 ـ من المحامين والحقوقيين.. مصطفي كامل، ومحمد فريد، وسعد زغلول، ومصطفي النحاس، وأحمد ماهر، ومحمد حسين هيكل، ومكرم عبيد وغيرهم.. عقد المحامين العظام الذين شغلوا الحياة الوطنية والفكرية والأدبية في مصر عقد فريد وعظيم… بدءاً من الزعيم الخالد مصطفي كامل باعث الحركة الوطنية، ومؤسس وزعيم الحزب الوطني القديم، والذي اختار دراسة »الحقوق« بالذات وانخرط في »المحاماة« خصيصا ليؤهل نفسه للدور الرائع الذي أداه في خدمة القضية الوطنية حتي وافته المنية وهو في منتصف العقد الرابع من عمره.. تتابعت معه ومن بعده نماذج رائعة في الحركة الوطنية وما يغذيها من سياسة واقتصاد وإدارة وفكر وأدب وصحافة.. محمد بك فريد ثاني زعيم للحزب الوطني القديم، ضاقت قيود الوظيفة بالنيابة عن تطلعاته لخدمة القضية الوطنية، فتركها إلي رحاب المحاماة ـ غير مبالٍ بالنظـرة التي كانت سائدة في ذلك الزمـان وتصنف المحامين تصنيفاً سلبيا!.. هذا التصنيف الذي جعل أباه يبكي ويشعر بالخزي ويشكو إلي الإمام محمد عبده في جنيف أن ابنه قد ترك النيابة إلي المحاماة!.. سعد زغلول زعيم الأمة، الوزير، ورئيس الوزراء ومجلس النواب، وعبدالعزيز فهمي قطب الوفد وثورة 1919، ثم رئيس حزب الأحرار الدستوريين، ووزير الحقانية الذي استقال احتجاجاً علي موقف الحكومة من كتاب الشيخ علي عبد الرازق: »الإسلام وأصول الحكم«، وأحد كواكب مجمـع اللغـة العربية، وأول رئيس مصري لمحكمـة النقض المصرية (1931).
 
يوم أن كتبت هذا لم يكن قد مَرَّ بي أن فيدل كاسترو كان بدوره أحد جواهر هذا العقد الفريـد للمحامين، فأعادني ما أورده عنه الأستاذ ماهر حسن إلي ما كانت عليه المحاماة، وما صارت إليه!
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »