مؤسسة الفساد‮.. »‬كل ناسها بياعين‮«‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رمضان متولي :

أغلب الصحف حاليا تتحدث عن الفساد المستشري في البلاد. وأكثر المقالات تنتقد هذا الفساد كأنه ظاهرة يمكن القضاء عليها من خلال مصطلحات مثل »الشفافية« أو »إصلاح المؤسسات« أو »الديمقراطية«. يحتج رموز السلطة في مصر علي ذلك أحيانا بزعم أن هذا الفساد محدود وظواهره فردية، لا يشكل مؤسسة أو نظاما داخل النظام. بعضهم يعترف بأن الفساد منتشر بصورة مرعبة ولكنه يؤكد أنه ظاهرة عالمية وأن الدولة تتدخل لمحاربة الفساد، ولا تتسامح مع الفاسدين.

 وحقيقة الأمر أن حجة مسئولي السلطة في مصر بأن الفساد ظاهرة عالمية تبدو قوية وتستند إلي الكثير من الوقائع، فنحن نسمع عن انتشار الفساد في مختلف أقطار العالم، ولا نستطيع أن نجد دولة واحدة لم يتورط كبارها في فضيحة من فضائح الفساد، إذا تابعنا ودققنا ولم نعتمد علي الفضائح الكبري أو ما يكشف عنه إعلاميا فقط. لكن حجتهم لا تقوم عندما يزعمون أن الدولة تحارب الفساد ولا تتسامح مع الفاسدين، لأن الدولة تتسامح مع الفاسدين وتتستر علي الفساد ليس في مصر وحدها ولكن في أغلب أنحاء المعمورة أيضا. أما قولهم بأن الفساد ظاهرة محدودة أو فردية فلا يمكن التعويل عليه، لأن ما يكشف عادة من فضائح الفساد، ليس سوي قمة جبل الجليد، وما خفي يكون أعظم.

هذه الحجة مع ذلك تفتقد مقدمة أساسية تكشف عن الخلل الكامن فيها والذي لا تعترف به السلطة، هي أن نظاما سياسيا واقتصاديا معينا في عصرنا الحديث هو الذي يسمح بشيوع الفساد، وهو النظام الرأسمالي الذي يسمح لأقلية من الناس بامتلاك أغلب ثروة المجتمع وقواه الإنتاجية، والذي يحول كل شيء في هذا المجتمع، بما في ذلك أهم الحاجات الإنسانية والعلاقات بين الناس، إلي سلع تباع وتشتري ويسيطر عليها المال، والذي يجعل المال هو القيمة الأساسية والمصدر الأساسي للقوة والأمان في حياة المجتمع.

 

وعندما يعلق رموز السلطة بطريقة استنكارية علي قضية الفساد، فإن تعليقهم هذا يكون منافقا ومخادعا لسببين: الأول أنهم يمثلون النظام الذي يعد الفساد إحدي خصائصه الملازمة له – فلا يمكن أن تجد نظاما رأسماليا في العالم خاليا من الفساد، ففي هذا النظام تتمتع الثروة بمكانة مرموقة ومزايا لا حدود لها إلا حدود الثروة نفسها. إنه مجتمع العلاقات السلعية، حيث كل شيء من الطعام والشراب والدواء والأجهزة المنزلية والثقافة والضمير والأخلاق، وحتي الإنسان مطروح في الأسواق لأعلي سعر وفقا لآلية العرض والطلب. السبب الثاني -طبعا- هو أن رموز السلطة هم غالبا، لابد أن يكونوا هم، وليس غيرهم، كبار الفاسدين، لأن السلطة نفسها هي السلعة الأساسية في سوق الفساد – فرجل الأعمال لا يرشو موظفا إلا إذا كان الموظف يملك سلطة، يستطيع أن يستفيد منها، أو قد تعرقل مصالحه، وبهذا المعني يعد الفساد شكلا من أشكال توزيع الثروة وفقا لمراكز القوة والنفوذ. حتي وإن كان مسئولا أو موظفا كبيرا يرفض الفساد شخصيا، فإنه لا يستطيع أن يوقفه من حوله أو من تحت أنفه.

بالتأكيد تكون النظم الديمقراطية أفضل بكثير من النظم الديكتاتورية في مواجهة الفساد، لكن الديمقراطية في المجتمع الرأسمالي _ المجتمع الذي يرعي شروط الفساد وسوقه الواسعة _ لا يمكن لها القضاء علي الفساد لأنه جزء من تكوينها، فالديمقراطية نفسها لا يمكن أن تفلت من تأثير الفساد فيها. لذلك نجد أغلب أعضاء الكونجرس الأمريكي، ومجلس العموم البريطاني ومجلس الشعب المصري يعيدون إنتاج الفساد من خلال الدفاع عن الشروط التي تسمح بانتعاش وازدهار سوق الفساد. كان ذلك واضحا في مجلس العموم البريطاني أثناء أزمة انتشار »جنون البقر« في التسعينيات، ومؤخرا أزمة »صفقة اليمامة« التي قدمت فيها شركة بريطانية رشاوي لوزير الدفاع في المملكة العربية السعودية، وفي الكونجرس الأمريكي بمجلسيه الذي يعتمد أعضاؤهما علي الشركات ومنظمات الأعمال في تمويل حملاتهما الانتخابية – وهما لا يمولونها طبعا لوجه الله والوطن! ولا نحتاج في مصر لسرد قضايا الفساد وتفاصيلها، لأن ذلك يحتاج إلي مجلدات، لا زاوية صغيرة في جريدة.

بعض رجال الأعمال، طبعا، ينتقدون الفساد وانتشاره، ويعتبرونه معوقا للاستثمار، ولكن انتقاداتهم لا تخلو من نفاق، لأنهم ينتقدون الفساد، عندما لا يستفيدون منه هم لصالح آخرين، أو الفساد الذي يؤدي إلي تضييق الخناق عليهم لصالح مجموعة أخري. إنهم يطالبون بالعدل في توزيع فوائد الفساد عليهم، وهذا مستحيل، لأن الفساد له عدالته الخاصة القائمة علي الأنصبة المختلفة لمختلف مراكز القوة والنفوذ والثروة.

المشكلة إذن في النظام ومؤسساته، وليست في الأخلاق ولا القانون، لأن الأخلاق والقانون أيضا سلع قابلة للبيع والشراء في نظام السوق. ولذلك فالقضاء علي الفساد لا يتحقق إلا إذا امتلك ضحاياه والمتضررون منه، قوة لا يستطيع أحد شراءها، لأنها ترمي إلي إنهاء نظام السوق وإحلاله بنظام آخر، حيث لا سلع ولا بائعين ولا مشترين.

شارك الخبر مع أصدقائك