مؤثرات الأوضاع الداخلية للقوى الكبرى على سياساتها الخارجية

شريف عطية

7:19 ص, الأحد, 26 ديسمبر 21

ليس من غير الطبيعى أن تصبح الأوضاع الداخلية للقوى الكبرى فى السنوات الأخيرة.. من أشد العوامل الحاكمة فى مسيرة تحركاتها الخارجية، ما يؤدى بصناع القرار بها إلى سلوكيات ارتجالية ربما تتطور بالحرب الباردة إلى التحول نحو نشوب صدامات مسلحة، ليست بالضرورة فيما بينهم، إذ هم أحرص فى الوقوف على حافة الهاوية دون الانزلاق إليها، ذلك بالتورط فى حروب بالوكالة داخل أقاليم العالم المختلفة، من أوكرانيا (القرم) إلى المحور الآسيوى وما إليهما.. من نقاط ساخنة فى الشرق الأوسط وإلى ملاعب أفريقية مختلفة، حيث النار فيها فوق أو تحت الرماد مما يصعب إطفاء شررها المتطاير لسنوات طويلة.. من جراء تخبط وارتباك السياسات الخارجية لأطراف النظام الدولى المتسمة بحالة من السيولة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سواء من حيث المتغيرات الطارئة على سياسات البيت الأبيض الأميركى من «الريجانية» طوال الثمانينات إلى «المحافظين الجدد» فى العشرية الأولى للقرن الحالى إلى انتخاب أول رئيس أميركى من جذور أفريقية إسلامية قبل أن تخلفه «الإنجيليون» إلى جانب الشعبوية الغرائبية للرئيس «ترامب» التى تنكص عنها حاليًّا إدارة الرئيس «بايدن»، ما يؤدى إلى تداعيات جيوسياسية فى العالم كله، لا يسلم منها المزيد من التمزق داخل نسيج المجتمع الأميركى، أو سواء من حيث المتغيرات الداخلية فى الصين، خاصة فى ضوء القرار التاريخى الثالث للحزب الشيوعى منتصف نوفمبر 2021، لإتاحة الفوز للرئيس «تشى» لفترة ثالثة غير مسبوقة منذ ارتقى إليها الزعيمان البارزان، «ماو» و«دنج»، ما يمثل تطورًا متجددًا فى السلوك الداخلى الصينى.. يجعل من ممارسة القادة الصينيين لضبط النفس وفى التعامل مع الدول الأخرى، خاصة المجاورة لها، أمر غير واقعى، أو سواء من حيث تعرض روسيا منذ مطلع التسعينات لأكبر تغيير جيوسياسى فى القرن العشرين تحت لافتة تفكك الاتحاد السوفيتى السابق، إلا أن قيصرها الحالي- بحسب تقارير عنه- «لا أحد يرفع سبابته فى مواجهته»، مهددًا أو محتجًّا، فى حين يسعى لانتزاع اعتراف الغرب بعودة المجال الحيوى لبلاده فى فضائها السوفيتى السابق، أو لعدم الوقوف عسكريًّا على عتبتها، أو سواء من حيث المتغيرات الجارية فى سياق قيادة الاتحاد الأوروبى.. وسط تطورات داخلية بين أعضائه، خاصة من بعد الفراغ الذى خلفته المستشارة الألمانية «ميركل» بخروجها من السلطة مما يعجز بديل عنها عن ملئه حتى الآن، بحيث سيكون العام المقبل بنظر المراقبين- حاسمًا- بالنسبة لمسيرة الاتحاد الأوروبى على الصعيدين الداخلى والخارجى أو فى العلاقات البينية لبعضهم البعض، ما يهدد تماسكه وفاعليته.

أما بشأن التحركات الخارجية للقوى الكبرى، غير البعيدة تمامًا عن أوضاعها الداخلية، فيعتبر المحور الصيني- الروسي- الإيرانى، أخطر ما يواجه الشرق الأوسط فى العام المقبل، إذ تعانى آلية المفاوضات الدولية حول البرنامج النووى الإيرانى.. من عقبات تحول دون تفاهمات مشتركة بين الغرب وإيران.. التى ترتبط بكل من الصين وروسيا باتفاقات إستراتيجية (شبه غامضة)، ما يعوق مفاوضات مباشرة بين طهران وواشنطن، فيما تحجم الأطراف الأوروبية عن تقديم مبادرات عملية جديدة، ما يفاقم ارتباك الأوضاع شرقى السويس، خاصة بالنسبة للحالة العراقية التى ترتبط مصالحها الوطنية بالدعوة من جانبها إلى تطبيع العلاقات بين إيران والولايات المتحدة.. باعتبارهما الأكثر تورطًا فى الشأن العراقى منذ 2003، ذلك فى الوقت الذى ترابط قوات كل من روسيا وإيران فى شرق البحر المتوسط على الحدود السورية- العراقية، ومع إسرائيل، فيما التسوية متعثرة بين شد وجذب بشأن الدور الأميركى فى سوريا (أوباما -ترامب- بايدن)، بجانب ترتيبات محصلة ما بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق، ناهيك عن ارتباط الحالة اللبنانية بما يجرى من سجالات بين السعودية وإيران فى جزيرة العرب لـ(اليمن) وفى داخل لبنان، ذلك دون استثناء الالتزام الأميركي- وفق مصالحها الزمنية والإستراتيجية بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلى بناءً على «حل الدولتين»، وإعادة فتح قنصليتها فى شرق القدس المحتل. وإذا انتقلنا من الشرق الأوسط وأزماته المتشابكة، إلى المحور الآسيوى حيث التنافس على منطقة المحيطين الهادى والهندى، فإن الولايات المتحدة تسعى فى البحث مع دول أوروبية وإقليمية عن شراكات جديدة، كان أبرزها فى منتصف سبتمبر2021 «إعلان أوكوس» كشراكة أمنية (أنجلوساكسونية) بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا، ما شكّل مفاجأة لباقى دول العالم، ولربما يكون التطور الأكثر استحواذًا على الانتباه خلال عام 2022، خاصة بالنسبة إلى الدول التى يعلوها «القوس العظيم» من شرق آسيا عبر المحيطين الهادى والهندى حتى (غرب منطقة الشرق الأوسط)، ما سوف يكشف عنه هذا التطور من إرهاصات وتوابع الأوضاع الداخلية للقوى الكبرى التى باتت محل تدخلات بينية أشبه بمؤثرات حالات الحرب على سياساتها الخارجية