شريف عطية

لو لم يوجد “القذافى” لأوجد الغرب شبيهاً له

شارك الخبر مع أصدقائك

تظل سياسات “القذافى” منذ رئاسته ليبيا طيلة أربعين عامًا، مثار جدل وخلاف، وإلى أمد غير منظور من بعد رحيله المأساوى 2011، إذ تداولت الوثائق الإسرائيلية مؤخرًا مواقفه المعارضة لحرب إلا أن تكون شاملة بين مصر وإسرائيل، ولتحرير كامل فلسطين، وهو ما يتطلب جهود أجيال لتغيير موازين القوى بما يكفى زمنيًّا لتحقيق ما يصبو إليه “القذافى” الذى أفسحت له القاعدتان العسكريتان الأميركية والبريطانية فى ليبيا.. مجال الارتقاء إلى سدة الحكم 1969، بالتزامن مع اشتداد المرض بالرئيس “عبد الناصر” قبل عام من رحيله، فإذ بهذا “النقيب” المجهول حديث العهد بالسياسة وشئون الحكم.. يسعى لأن يكون هو “البديل”، أمينًا للقومية العربية، المثيرة لقلق الغرب- وحلفائه- فى المنطقة، وبهدف إرباك زخمها، حيث وقر فى قناعة “القذافى” أن سبيله للزعامة العربية من خلال “الوحدة الاندماجية” مع مصر.. باعتبارها باتت فى رأيه منذ مطلع السبعينات “شعبًا بلا قائد.. فيما ليبيا قائد بلا شعب”، أو هكذا حاول المعارضون للرئيس “السادات” إقناعه بأن ما عليه سوى امتطاء صهوة فرس أبيض يعتلي به العرش (الخالي) فى القاهرة، حيث ألح نحو الإسراع فى تطبيق “الوحدة الاندماجية”، إلا أن المحادثات بشأنها فى سبتمبر 1972 أخفقت فى تقريب المسائل الخلافية بين البلدين، إذ رأت القاهرة التريث فى التطبيق لئلا تُنهك المؤسسات المصرية وهى فى مرحلة انتقالية.. تستعد خلالها للحرب مع إسرائيل، إلا من إصرار ليبيا فرض “الوحدة” بالقوة.. من خلال مسيرة شبه مسلحة من مائة ألف ليبى تتجه عبر الحدود فى يوليو 1973، إلى القاهرة، لولا القرار المصرى آنئذ بمنعها عند خط “ثوكة”، ولو باستخدام القوة، خاصة ولم يبق غير شهرين على الحرب فى أكتوبر، والتى كان “القذافى” يراها- وفق ما أبلغه سياسيون مصريين (..)- حربًا محدودة سوف تحول نتائجها المرتقبة عن تحقيق أحلامه القاهرية.. التى سعى لاستكمالها بعد الحرب من خلال أعمال وحملات إعلامية وسياسية مضادة أدت بالتراكم إلى اشتباكات بالسلاح- لأيام- بين البلدين فى العام 1977، ولأعوام تالية من توتر العلاقات الثنائية حتى عشية الألف الميلادية الثالثة، حيث بادرت إحدى الصحف الحزبية المموَّلة من ليبيا بكشف وتعرية مثالب مخطط التوريث، لأسبابها، فى مصر.. سرعان ما تشجعت باقى صحف المعارضة بالانضمام إليها، ما فاقم فوضى المناخ السياسى فى مصر، بالتزامن مع ضغوط أميركية لإفساح المجال للمشاركة السياسية لجماعة “الإخوان” فى البلدين، فيما اعترفت ليبيا بمسئوليتها عن تفجيرات ارتكبتها فى فضاء “لوكيربى” وفى “مرقص” ألمانى مع دفع التعويضات، وإذ يتحول التطرف الليبي القاصر إلى تهافت معيب فى نهاية 2003، حيث القبول الليبى بتدمير ترسانتها الصاروخية.. إلخ، فى الوقت نفسه الذى توترت فيه العلاقات المصرية الأميركية، وإلى أن لحقت بمصر وليبيا الحراك المتأسلم للربيع العربى 2011، وليقع البلدان فى المجهول نتيجة الغيرة السياسية بين قيادتيهما لأربعة عقود خلت بدلًا من تعاونهما، لصالحهما، وللمنظومة العربية فى مجملها.. التى لم تتوان- للأسف- عن السماح لقوات أجنبية بالتدخل فى ليبيا مع تجميد عضويتها (وسوريا) فى جامعة الدول العربية، وإذ انتهى الدور (الملتبس) الذى أناطه العرب والولايات المتحدة بـ”القذافى” منذ1969 .. لم يعد هناك من بعد ما يحول دون التخلص منه، تمامًا مثلما سبق للقذافى الإطاحة بزملاء ثوريين على يساره (..)، ولحساب الغرب، سواء فى ليبيا أو من السودان أو لبنان.. إلخ، كأمثولة لحكام عرب على شاكلته، تجرعوا على غراره فى النهاية من كأس السم نفسها، بعد استمساك الأدوار المطلوب منهم القيام بها، سواء عن جهل أو تحت مظنّة أنهم ربما من خارج منظومة الاستعمار الجديد الذى تولدت ظاهرته مع النصف الثانى من القرن العشرين كبديل للحقبة الاستعمارية بمعناها الاحتلالى القديم، وفى ظل أجواء حرب باردة ما إن يتهيأ للبعض أنها انتهت إلا وتنشب من جديد بكل أطيافها الملونة، حتى إذا لو لم يوجد مثل “القذافى” لتنصيبه فى نهاية الستينات لأوجد الغرب بدائل مشابهة له.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1228).. الإمام الطيب والقول الطيب (61)

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »