لماذا فقدنا القدرة علي الحلم ؟‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائي عطية

القدرة علي الحلم ، دليل حياة ، وخاصية مانحة.. إلي الحلم وما يشعله من خواطر وما يحركه ويبعثه في النفس من محركات ، تعود إنجازات أو طفرات أو نجاحات البشر.. يصدق هذا علي الجماعات مثلما يصدق علي الأفراد ، لأن قدرة المجتمعات علي الحلم هي محصلة قدرات أفرادها.. والحلم ذاته هو محصلة تلاقي الخيال أو المخيلة مع الإرادة والعزيمة.. والتخيل أميز ما يتميز به الإنسان عن باقي الكائنات ، قد وجدوا قدراً واضحاً من العقل في بعض الكائنات، وفيها ما يمتلك ـ فضلا عن الحواس والغرائز العالية ـ قدراً من الفهم يعرف به صاحبه وعدوه ويميز بيـن الأشيــاء والدروب والمسالك ، ولكن لا يوجد في الكائنات من يتمتع بالمخيلة غير الإنسان.. هذه المخيلة هي التي بها يسترجع الإنسان ماضيه ، ويستحضر الحاضر الغائب غياباً ماديا عنه ، ويستشرف المستقبل.. هذه الخاصية البشرية هي مع العقل سر نبوغ وتقدم ورقي بني البشر.. ولكنها مع ما تمنحه من قدرات وتتيحه من عراضه وعمق واتساع الرؤية ، لا تحقق إنجازا ما لم تكن مجدولة مضفرة بقدرة حية متوقدة حالمة أو قادرة علي الحلم ، ولست عن الحلم المخدور أتحدث ، وإنما أعني الحلم الممزوج بإرادة قوية واعية ، وبعزيمة متينة ماضية، بهذا الخليط من الخيال والحلم والعزم والإرادة يشق الأفراد وتشق المجتمعات طريقها ، وتنقل الأماني المتخيلة المرغوبة من حيز الخيال والحلم إلي الواقع الحي.  الواقع ثمرة تلاقي متفاعل وفاعل بين قدرة الخيال وقدرة الحلم المقرون بالإرادة والعزم!

لايوجد واقع فردي أو جمعي أو اجتماعي لا يحتاج لتغيير أو تعديل أو تطوير أو تكريس أو إبداع ، والقدرة علي رصد ذلك وتخيل مطالبه وصورته المرجوّة تحتاج فضلا عن قدرة التخيل ، إلي قدرة الرغبة او إرادة الحلم بما يحسن أن يكون صلاحا لأحوال الناس والمجتمع.. وهنا بالذات تكمن القدرة الحقيقية للأفراد والأمم علي استشراف المستقبل وتخيل المراد فيه وامتلاك إرادة حية متطلعة لتحقيقة.

روادتني هذه الخواطر وأنا أراجع توهج كتابات سالفة لكبار مفكرينا ومثقفينا وكتابنا وصحفيينا في قضايانا وأمانينا الوطنية، وأراجع معها كثيرا من آلياتنا العامة التي أمسكت بالحلم، لم تقعدها العثرات ولا النكسات ولا النكبات أو تسحب من تماسكها وقدرتها علي رسم الطريق الواعي إلي المستقبل رسما لم يقع فريسة اليأس أو الخبو أو مسلمات مسمومة تصادر الحق والأمل ، وإنما انطلقت تصنع من كل الظروف غير المواتية حافزا للتحدي وتغيير الواقع دون الاستسلام أو الاستنامة له!.

طفقت أطوف مع الكتابات والمواقف التي تتالت في أعقاب نكسة 1967، فوجدت استمساكا بالثوابت والأصول وتيقظا لمقومات الوطن العربي بأقطاره ـ وما يمتلكه من حقائق موجودة وفاعلة وأخري كامنة واعدة.. لمست اهتماما بدراسة »الشخصية العربية« من منظورنا ومنظور الآخرين ، ومراجعة عريضة متعمقة للنفس دون أن تفقد التماسك أو الإيمان بالذات أو تشك في القدرة علي تغيير الواقع المرّ ، ملتفتة إلي أن هذه الثقة لا تنطلق من أوهام مخدورة، وإنما من استبصار حقيقي وموضوعي لواقع الإمكانيات الأصيلة ، سواء الإمكانيات الكامنة التي لم يتح لها فرصة الاستخدام أو الاستخدام الفاعل، أو تلك العاملة فعلا في تيار الصراع العالمي وما تحتاجه من تعديل أو تطوير يستطيع أن يواجه زخم ما استبان أنه يحيط بالأمة العربية ويبغي تعقيمها وتغليق المستقبل أمامها بزراعة اليأس وإشاعة العجز!.  لم تدع الكتابات والدراسات ملفا من الملفات المحلية أو الإقليمية أو العالمية إلاّ غاصت فيه وفتشت باحثة منقبـة ، متقصية القوي المضادة واستراتيجيتها وتكتيكاتها ومخططاتها ومؤامراتها وأساليبها ووسائلها وأدواتها وما تحمله وتبثه من مخاطر تطويق المنطقة وبلقنتها وتفتيتها والسيطرة عليها.. علي أن الأهم أن هذه الكتابات لم تفقد قط الثقة بالذات ولا وقعت فريسة لمصكوكات انهزامية مصدرة من الخارج أو مبثوثة من الداخل لإفقاد الإنسان العربي ثقته بنفسه وبوطنه وزعزعة المد القومي الذي احتل الصدارة في الوجدان العربي علي مدي قرابة قرن من الزمان منذ كتابات ساطع الحصري الذي استطاع أن يحرك الماء الآسن ويلهب الشعور القومي الذي تتابعت أمواجه حتي صار واقعا ضخما واعداً بوحدة عربية تتجاوز الحدود المرسومة المصطنعة لتضم العرب في كيان كبير قادر علي صد أطماع قوي استفحلت في عالم لم تعد فيه فرصة حقيقية لكيانـات صغري!!

لم يقف الرواد ولا وقفت القوي الوطنية عاجزة عن الحلم لاستيجاد منفذ لكسر حصار الطوق.. ووسط صراع غير متكافيء نجحت القوي الوطنية الرائية في تشكيل كتلة الحياد الإيجابي ، وفتحت علي أفريقيا ومدت خطوطاً من التنسيق والتعاون مع الهند والصين ويوغسلافيا وغيرها، وأشعلت المد القومي العربي وساندت الحركات التحررية الوطنية، وأقامت كتلة متناغمة متوافقة لتقف فاعلة مؤثرة بين معسكري الكبار دون أن يتطرق إليها اليأس أو الاستسلام لمخططات تعقيم الدول الصغري وتركيعها!

القدرة علي الحلم ، ومواجهة الصعاب، كانت قديمة ملحوظة لدينا. لم يكن الواقع العربي جميلا بهياً »ياما هنا ياما هناك« ، حينما استخلص منه سابقونا ووسط نير الاحتلال الجاثم علي معظم أقطار العرب ـ فرصة تبنوها وكفلوها واحتضنوها لإنشاء جامعة الدول العربية التي أخذنا الآن نفتعل الأسباب لإضعافها والنيل منها ولا بأس لدي البعض من تقويضها. نعم لم تكن البداية جامعة عربية كاملة الأوصاف ، ولكنهم علي طول الرحلة حتي سلمونا الراية ، اعتنقوا رغم كل المعوقات والحروب والتيارات المضادة ـ فكرة وأمل الوحدة العربية ، فماذا فعلنا بعدهم؟!!

لقد هالني الاستسلام الحالي لمصكوكات انهزامية صكها وأشاعها الآخرون وسللوها إلينا لتتسرب وتتراكم في اللاّوعي ثم تستقر في الوعي. لست أريد أن أنكأ الجراح أو أطفيء البقية الباقية من الكرامة الوطنية بتعداد وترديد هذه المسلّمات السلبية المعجزة التي استقرت للأسف في نخاع بعضنا!!.. ليكن أن الواقع ملئ بمرارات ، ولكن الأخطر من مراراته أن نستنيم له وأن تتسرب إلي وجداننا مصكوكات خبيثة لتصير »مسلّمات« في وجداننا تجرنا لأسفل وتفقدنا القدرة علي الحلم وتسحب منا العزم والإرادة ، وتصادر علي غدنا القريب والأخطر من هذا أنها تكاد تصادر علي الغد البعيد!

لم يكن الطريق إلي الوحدة العربية ممهدا مفروشا بالورود، ولا كانت الظروف في أعقاب نكسة 1967 بهية، بل كانت مرارتها كالحنظل ـ فسارع المفكرون والكتاب لرأب الصدع وشد وصلب البناء واستنفار العزائم حتي لا تسقط الأمة في وهدةٍ انهزاميةٍ مستسلمة، وجَعَلَ كل من زاويته يزرع الأمل ويستنفر العزم ، فطفق الأستاذ السيد ياسين يكتـب ـ قبل أكتوبر 1973 ـ عن »الشخصية العربية« ، يبحث وينقب فيها من منظورنا وفي منظور الآخرين ، ويبحث ويفتش في أسباب الانتكاسة ، هل هي لغياب التكنولوجيا أو تواضع خطابنا للغرب أو تعجلنا أو خطأ في تحالفاتنا ، ومّنْ حقيقةً الذي هزم : هل الأمة أم شعب أم طبقة أم قائد ، ومَنْ الذي انهزم حقيقةً بالهزيمة.. وطفق آخرون يكتبون عن الواقع الاجتماعي الثقافي العربي ، وهل هو نمط أم أنماط ، ويتطرق الدكتور سيد عويس أبو الاجتماعيين إلي مفاهيم »الشخصية القومية« ، ويتناول الدكتور عزت حجازي »الشخصية العربية : وحدة أم تنوع« ؟! ـ ويعرج الدكتور حامد عمار في دراسته للشخصية العربية إلي معارج متعددة لم تخل من تحريك الماء الآسن وإثارة مناقشات واسعة حول دراسته عن »الشخصية الفهلوية« ، وأخذ يكتب عن الوحدة العربية في مراحلها المتنوعة وآفاقها المتعددة ، وعن قيمة وأهمية »الهدف الوحدوي« الذي يظل مهما انتابته من ذبذبات إطاراً جوهريا للوجود العربي والتنمية العربية والمصير المنشود!

وبعد..

 هذه كانت محض عينة من المواقف ومن دراسات وكتابات وبشارات المفكرين والكتاب إلي الناس ، فأين هذا من تراجع أحلامنا وآمالنا وخطابنا العربي بعامة ، وأين هذا مما سرب إلي وعينا من مسلّمات سلبية مثبطة مصكوكة من الآخرين بعناية وخبث ليشيع الاستسلام لها وتتبلد المشاعر إزاء قوارع الغزو والبلقنة والتفتيت ، والتي ما إن أصابت الوطن الكبير بما أحدثته بين أقطاره من تفتيت ، حتي أخذت تستأنف المخطط لبلقنة القطر الواحد.. لهفي علي العراق ، وقلبي واجف علي السودان ، وعلي ما يدبر لمصر بليلٍ من وراء الأستار؟!

لست أريد هنا ، وليس في مقدوري ، أن أحدد للناس أو المجتمعات ما يجب عليهم أن يحلموا به ، فأحلام المستقبل الفردية والجماعية غير محدودة ، وتحديدها يصادر علي ملكة الحلم والخيال بينما الواجب تخصيبها.. وهذا هو المهم. المهم ألا نستسلم استسلاما خانعا أو مستنيما لواقع مهما كان مرّاً ، وألاّ نفقد القدرة علي الحلم والخيال ، وألاّ نكف عن السعي الدءوب لنقل الأحلام إلي واقع حي.. بهذه القدرة يحيا الأفراد وتحيا الجماعات والأمم ، وبدونها تنطفيء شعلة الحياة!
هل فقدنا القدرة علي الحلم ؟‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك