رجائى عطية

لعب الدنيا ولهوها ‮ ‬ومعني الحياة‮ (‬1-3‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

يظن الآدمي من قديم القديم حتي يومنا هذا ،أن لهوه جزء فقط من حياته، وأن حياته الجادة أهم وأكبر بكثير مما نسميه اللهو ، لأن عليه أن يسعي ويجد ليحفظ أو يضمن موارد حياته بقدر طاقته خلال عمره .. قياماً منه بواجباتها وأشغالها وأعمالها وهمومها إلي أن يبلغ شيخوخته أو ينتهي أجله .. يتشكل هذا في ظن الآدمي بحسب غرائزه وطباعه وعاداته وكفاياته وسنه وعصره مع ما تقتضيه ذكورته أو أنوثته .
 
       والواقع لدي التأمل العميق وإطالة النظر وتقليب الأحداث من البدايات إلي النهايات أنه برغم أهمية هذا الاعتقاد لسعي الآدمي وجده واجتهاده في دنياه ، إلاّ أنه يفوت معظمنا أن دنيا البشر كلها بقضها وقضيضها ـ لهو ولعب وتفاخر بالأموال والأولاد!.. تردد هذا المعني كثيرا في القرآن الحكيم .. فقال جل وعلا: »وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ «
 
 ( الأنعام 32 ) .. وزادت الآيات الكريمات هذا المعني وكادة ، في قوله سبحانه وتعالي : »وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ «
 
( العنكبوت 64 ) .. ويقول ـ عز من قائل ـ في سورة محمد : » إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُـمْ أَمْوَالَكُمْ  «( محمد 36 ) .. وبيانا لفساد وقلة جدوي ما يقع فيه الناس من لغو الدنيا ولهوها والتفاخر فيها بالأنساب والأموال وبغيرها ، يقول القرآن المجيد »اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ«( الحديد 20 ) .. هذه المعاني هي هي ما أعلنه وردده فهم الأنبياء ـ وأنكره أو تحاشاه أو لم يفطن إليه عناد الناس .. هذا العناد والإنكار والواقع المر لأغلبية البشر ـ أدركته القلة القليلة دائماً من النادرين اليائسين من تغيير مشارب أغلبية الخلق الغالبة طوال توالي أحقاب الآدميين وأطوارهم .. فهذه الكثرة الساحقة استحال عليهم  إلي يومنا هذا أن يغيروا تقسيم حياتهم إلي جد وهزل ، أو عمل ولهو .. ناسين أن جدهم أكثره هزل ، وأن عملهم أغلبه أنانية ومحاولة للكسب الذاتي الوقتي الذي لم يخرج ولا يمكن أن يخرج عن دائرة اللهو الفاني السطحي !
 
        لكــن قد نتصور إمكان تغير هذه الحال المزمنة المتردية في غلبة وزيادة وشيوع اللهو الآدمي ـ إذا خرج البشر أو أغلبهم من شرنقة الاعتياد إلي الإتصال الدائم المجزي المجدي بالكون العظيم .. فبذلك يصبح بمقدورهم ـ دون خفة أو نزق أو طيش ـ الانتفاع الفاهم المتزايد بالكون العظيم مع التخلص من خداع اللهو الذي يشمل خاصتهم قبل عامتهم خلال ما مضي من السنين حتي الآن!
 
          أصاب الأنبياء ـ عليهم السلام ـ في تسمية عالمنا بالدنيا ـ لحقارة تعلقنا جميعاً بهذا العالم الدنيوي وشدة غرقنا وتفانينا فيه وكثافة التصاقنا به ! .. فهو عالم ربطناه بأنفسنا وقيدناه بأرضنا حتي اليوم .. بيد أن انفتاحنا الجاد علي الكون العظيم إن استمر واشتد ، سوف يوقظنا من قبضة الخضوع والخنوع لدنيانا التي سادت ذلك الدهر الأطول .. يحدث ذلك إذا بدأنا نفهم الكون ونتيقظ ونحلل ونجرب ونزيد من إقبالنا عليه وإصرارنا علي تتبع أسراره .. هذا الطريق الهائل الغني إن صح إلتفاتنا واضطردت واتسعت معارفنا وغني فهمنا وامتدت علومنا بالتعلق به وبتتبعه في أبعاده المذهلة ـ  هذا الطريق هو الذي ينقلنا من عالمنا الحاضر الكئيب الذي عاش ويعيش علي الظنون والأوهام وتنهشه المخازي والمخاوف والأزمات والنكبات ـ إلي عالم عظيم يسوده دائماً الفهم والمعرفة والعقل والحساب .. ننسي فيه تماماً غوغاء الحاضر وماضيه وتخبطه ..عندئذٍ ينسي معظم الناس بالفهم والمعرفة وبالعقل وبالحساب ـ كل قيمة للمال وللسمعة وللمنزلة وللأصل وللزي وملابسه وللأناقة والرشاقة وللتملك .. وينسون الحسد والنقد الذي لا ينقطع والمنافسة الحمقاء والغل والأنانية البغيضة التي تقدم نفسها دائماً علي ما عداها .. هذا النسيان ـ إن حدث ـ يذهب غالباً بألوف ألوف أسماء المعروفين أو المشهورين في الأحاديث والمقولات والروايات والحكايات النوادي والمجالس والأسر، وفي الإذاعات وفي الصحف والمجلات ، وفي الكتب والمكتبات ، وفي الجماعات والجمعيات ، وفي الجامعات والمعاهد والمدارس ـ حاضرين أو ماضين ـ فما معنا اليوم من ذلك كله مقولاً أو مطبوعاً أو مسجلاً أو متداولاً معظمه وقتي أو عارض زائل بزوال ماضيه !
 
      ومن الحماقات الكبري ظنناً أن أحياء الأرض هم وحدهم أحياء الكون العظيم ، وأن الخالق جل وعلا لم يخلق سواهم .. فهذه صغائر وبوادر بتنا الآن نتجاوزها بعد أن بدأنا نلتفت جادين إلي الكون العظيم وسعته وأهميته لنا ولغيرنا علي أرضنا الصغيرة جداً بالقياس إليه .
 
       بتنا نري معظم الناس لا يكفون لحظة عن التخبط والتنافس والتحاسد والعراك !.. لا ندرك أننا برغم ما نتيه به مما نسميه الحضارة المتقدمة الهائلة التي لم يسبقها سابق ـ ما زلنا في أوائل الحياة .. نحياها جزئياً متخبطين في باطلها .. لم نقو بعد علي تركه لما هو أعقل وأقوم وأجدي .. ننتظر طويلاً ـ يداخلنا اليأس ـ مجئ النضج وكمال اليقظة واستعدادنا للاندماج في الكون العظيم الذي سبق وجودنا بما لا أول له في حسابنا !
 
      نعم لم يترك البشر خداعهم لأنفسهم قط منذ وجدوا علي هذه الأرض .. إنما لونوه باستمرار بما ظنوا أنه يجاري توالي الأوقات والأزمنة والأجيال المتعاقبة فيهـم ، وتصور جميعهــم تقريباً أن هذا التلوين أو التغيير السطحي الوقتي ـ من مسيرة الحياة ـ لازم ملازم لا يحتاج بين وقت وآخر إلي التأمل والمراقبة والتعديل والتصحيح .. ولذلك بقيت إلي اليوم جماعة البشر جماهير منفصلة عن خاصتهم من سادة وأغنياء وحكام وقادة وزعماء .. دون مشاركة فعلية عميقة جادة دائمة مسلم بها .. مشاركة غير مصحوبة بانفصال وتباعد وتسيد الخاصة علي العامة ، وغير مغموسة بتسليم وإذعان وحقد العامة علي خاصتهم .. فكل جماعاتنا المتقدمة والمتخلفة مختلة الأساس الذي كان يبدو قوياً في الماضي.. وتتعايش كل منها تعايشاً سطحياً كلامياً أكثر منه فعلياً .. بات بسبب تيقظ العامة لحالهم ولحال وتباعد وتسيد واستعلاء الخاصة ـ سريع الحساسية شديدها .. متبرماً بتميز الخاصة الواضح وثقله وقلة أو انعدام إنصافه !
 
      فانتشرت في عصرنا الأحزاب الديمقراطية والعمالية والاشتراكية والشيوعية والفوضوية .. ترفع بصفة خاصة رايات الطبقات العامة ، بالإضافة إلي الأحزاب المحافظة التي تتميز عادة بانتماء أصحاب الأموال والأغنياء والملاك .. ويتبادلون فيما بينهم في المجالس والصحف ـ ألوان الانتقادات والمناقشات الحادة .. وأحياناً الاتهامات والخصومات والعداوات .. كلُُّ يبرز بكل وسيلة وصورة ممكنة فساد أو عجز أو أنانية أو جشع غريمه أو غرمائه من الأحزاب والطوائف الأخري .. غير مبال بصيانة وحدة وسلامة الجماعة الكلية التي ينتمي إليها الكل موسراً وغير موسر !
 
      هذا السلوك الذي بات الآن مألوفاً في كل جماعة بشرية ، سلوك مخرب في النهاية .. لم يفطن ـ وإن بدا سائغاً مشروعاً ـ إلي مغبة هذه النهاية الشقية لأغلب عامة الأمة ولأغلب خاصتها.. حلا للفريقين الاعتياد علي العراك سراً وعلانية .. دون أية فرصة لسلام حقيقي نقـي وصحيـح بينهما .. لأننا ـ دائماً ـ لا نعني بتوخي الدقة في أحكامنا حتي فيما بيننا وبين أنفسنا .. لأن الدقة حيدة وتعقل وتأكد واستيثاق ـ مضادة للرغبة والهوي وللتسرع والاندفاع  !
 
       ويبدو أن رحلات مكوك الفضاء ، عمليات كلها دقة وتنقيب وفحص وحساب .. يتبادلها بغير انقطاع مَن في المكوك بالفضاء ومَن في المرصد أو المعمـل علي الأرض .. فـي الولايات المتحدة أو في روسيا أو إنجلترا أو فرنسا وغيرها .. وهم رغم قلتهم يتكاثرون يوماً بعد يوم ، ولكنهم يحتفظون جميعاً بعادات وتقاليد ومشارب وعلاقات محيطهم .. أي بالآدمية المألوفة لغالبية القوم والجماعة .. فتأثيرهم علي مجتمعهم وعلي أنفسهم ما زال محدوداً بحدود هذا العمل وتكاليفه وواجباته .. وهذا العمل من هذه الناحية يشبه أعمال المنقبين عن المناجم والبترول والغازات في أعماق اليابسة والبحار بفارق التعرض المستمر لزيادة الضغط الجوي في الفضاء الواسع الكوني .. لذلك لا نحس في المجتمعات الحالية بأي انقلاب بشري مهم جاد يقظ .. بل يشعر معظمنا في الجماعات المتقدمة أو في غيرها ـ بالضياع والحيرة والغضب واليأس من حاضرنا ومستقبلنا علي السواء !
( للحديث بقية (

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »