لا سبيل لرفعة مصر.. غير الدم والعرق والدموع

شارك الخبر مع أصدقائك

تبدو مصر كالوحيدة وسط أنواء تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، سواء باتجاه التحولات الجيوسياسية – الاقتصادية أو بالنسبة للاستعمال السياسى للدين.. من إيران التى تدعى التكلم باسم «الشيعة» فى العالم، وعبر تركيا التى تحاول من خلال تحالفها مع المركز الروحى للسعودية.. تزعم «السنة» فى المنطقة، ومن دون استثناء إسرائيل الساعية للحصول على اعتراف دولي/ إقليمى بالطابع اليهودى لدولتها، ذلك فيما تجاهد مصر- على عكسهم- تجديد الخطاب الدينى لنحو فصله عن استخداماته السياسية.. وسط معارضة من مؤسسات رسمية وغير رسمية.. بحيث لم يعد بجانب نظامها الحاكم فى هذا الأمر غير جهود ليست منتظمة من أعمدة التنوير الإسلامى، ومن جانب أحبار الكنيسة المرقسية، وهو ما يحسب لهما بطبيعة الحال، لولا عجزهما- بمفردهما- عن التصدى لسطوة اليمين (الديني).. ولجهالة اليسار (الثوري)، وما يبثانه بجانب العقول الكادحة شبه المغيبة.. من حرب سيكولوجية توظف تراكمات تحديات قديمة- حديثة.. نحو المزيد من إحباط الرأى العام أو إرباك القيادات الحكومية بسواء.

إلى ذلك، لا يغيب عن رئيس الحكومة الإسرائيلية فى زيارته غير المسبوقة لإثيوبيا.. رفع لواء العلاقات الدينية التاريخية بين البلدين منذ عهد «سبأ» و«سليمان».. عند مخاطبته أعضاء البرلمان وسط تصفيقهم المتتالى لكلماته التى تمثل مدخلاً لتأكيد نفوذ بلاده عند منابع النيل واستخداماته، ذلك فى وقت تستقطب فيه الاحتكارات المالية اليهودية قوى البرجوازية فى مصر والمنطقة إلى جانبها، فيما تبدو مصر منذ توقيع معاهدة السلام فى 1979.. مضطرة إلى ابتلاع مراوغات إسرائيل.. بل وفى المبادرة مؤخراً لطرح فكرتها عن «توسيع كامب ديفيد»، حفاظاً على دورها من الانعزال.. ولئلا تتعرض لمخاطر الارتداد عن سلامها (المنفرد) حتى الآن تقريباً مع الدولة العبرية.

على صعيد آخر.. قد يكون غير منفصل تماماً عن سابقه، اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية فى الثمانينيات- بتشجيع من دول الخليج والسعودية- كى تتصدى القيادة «السنية» فى بغداد للمد المذهبى الثورى الإيرانى، وقد كان، قبل أن يتناحر أهل السنة فى جزيرة العرب بحلول التسعينيات وحتى غزو أميركا للعراق فى 2003، التى سمحت لأكراد العراق وشيعتهم بتسريح جيش العراق.. دون بنت شفة من دول الخليج، ما يصب من ثم لصالح دولتى الجوار غير العربيتين- إيران وتركيا- وليتكرر نفس السيناريو المأساوى حتى الآن فى سوريا- مع الفارق- إلى أن قفزت روسيا على مسرح أحداثها مستأثرة بالغنيمة السورية دون غيرها من القوى الإقليمية، سنية أو شيعية، ومن ورائّهما أميركا الممسكة بخيوط اللعبة فى العراق وسوريا، وغيرهما، منذ نحو ربع قرن ونيف.

فى هذا السياق، ما زالت السعودية من بعد تراجع نفوذ وكلائها فى سوريا.. متورطة فى اليمن مع الحوثيين المدعومين من إيران، كذلك الأمر بالنسبة لجناحها التحالفى التركى الذى أصبح ظهره للحائط فى كل من سوريا والعراق.. قبل أن تندلع القلاقل الداخلية بشكل غير مسبوق فى داخل البيت التركى تهدد بانهيار نظامه الحاكم، فإذ.. والحال كذلك- تتجه تركيا وإيران إلى الاعتماد على توظيف البعد الجغرافى والارتكاز عليه فى وضع إستراتيجيتهما الخارجية، سواء لأهمية «الجناح الشرقى» للعالم العربى، بالنسبة لإيران فى أمنها الإقليمى أو سواء «للعمق الإستراتيجى» للعالم العربى الذى يشكل أحد النطاقات الهامة لتركيا، ما يؤذن بتغيير فى اللعبة السياسية شرق الأوسطية، التى كادت بسبب الانكشاف العربى تصبح مستندة إلى ثلاث قوى إقليمية غير عربية، إسرائيل- إيران- وتركيا، لما تملكه هذه القوى من مقومات رسم مستقبل المنطقة.. بجانب القوى الدولية، خاصة روسيا والولايات المتحدة.

فى إطار ما سبق من تطورات مشهودة، تبقى مصر مضطرة للانعتاق من عزلتها على مدى أربعة عقود تقريباً، أن تسدد ديون تقاعسها عن تصويب سياساتها وفى القبول بمخاطر الارتداد عنها، وما بين همومها الداخلية وتحدياتها الخارجية.. ليس أمامها سوى بذل المزيد من الدم والعرق والدموع.

شارك الخبر مع أصدقائك