رجائى عطية

لا تلم كفي إذا السيف نبا‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

لم يستطع كثير من الزملاء أن يخفوا دهشتهم من مظهري بعد الانتخابات الأخيرة لنقابة المحامين، وربما ظن بعضهم أن هذا الاطمئنان البادي علي محض تماسك أحجب به فقط أو أخفي مرارة أو حزنا أو إحباطا!
 
ولكني حقيقةً لا أشعر بمرارة أو إحباط، وإن شعرت بالحزن، ولكن علي المصير المظلم للمحاماة وللنقابة التي تعرضت لعملية سطو تنبأت بما سوف يصاحبها من اشتباكات ومشاهد مأساوية تلاحقنا الآن كل يوم بل كل ساعة!. أجل تمنيت أن أنجح في الانتخابات لأحقق رسالة الإصلاح التي طمحت إليها، ولكنك مهما فعلت وصنعت وامتلكت، ومهما أبديت وأديت وأخلصت وجاهدت ـ لا تملك أن تعاند الدهر، والدهر هنا يرمز إلي قوتين كبيرتين تتنازعان نقابة المحامين كل بنفوذه وإمكانياته وطريقته.. الإخوان المسلمون بكتلتهم التصويتية الكبيرة والمصمته، والحكومة بسلطاتها ومالها ونفوذها وآلياتها، وأيضاً بأرتال المتابعين لإشارتها طلبا للغنائم.. فإن فاتت فيكفي الرضا الذي قال فيه الحكيم الساخر المصري: »إن فاتك الميري إتمرّغ في ترابه«!
 
يبدو أن استحالة معاندة الدهر، هي التي كانت في ضمير الشاعر حين قال:
 
لا تلم كفي إذا السيف نبا
 
صح مني العزم والدهر أبــي!
 
إباء الدهر هنا لم يخل من منفعة بالحسابات الشخصية.. فيبدو أن الحقيقة كانت تحتاج إلي زلزال يكشف الغطاء عن أنه لا صحة للأكاذيب التي بُثت علي مدار ثماني سنوات تدعي بلا منطق أنني رجل الحكومة والإخوان!
 
لم أك ضيقا بأن يقال إن الإخوان المسلمين يرون تأييد ترشيحـي، فالتأييـد الذي يأتيـك شهادة لك لا عليك، إلا أن تكون أداة طيعة في اتفاق تبادلي دخلته لتبادل التصويت والولاء. وما يقال عن الإخوان يقال أيضا عن الحكومة.. لم تكن بي حاجة، ولن تكون، لبذل الولاء لأي طيف من أطياف السياسة أو السلطة.. وليس معني هذا أنني أنشد محاربة هؤلاء أو أولاء، أو أحارب طواحين الهواء كما كان يفعل دون كيشوت في رائعة سرفانتس.. ولكني مؤمن برسالة المحاماة، وأن قوتها في حريتها وحرية بنيها التي منها يستمدون قدرتهم علي المناضلة في سبيل الحق.. وأن مقتلها في تكبيل حريتها وحريتهم وتطويقها وتطويقهم.. أما علي المستوي الفردي فلا شيء يعادل الإحساس بالواجب، وبقيمة الحرية وجمال الحق في ذاته.. تعرف تجربة السنين الطويلة أن الحاجة مذلة، أو كما قال الحكيم: »لطالما أذل الحرص أعناق الرجل«.. والكريم لا يحب لعنقه أن تكون ذليلة، ويعرف أن الآدمي إذا كبر نضح، وإذا نضج فهم، وإذا فهمم استغني، وإذا استغني تحرر!
 
الشعور بالتحرر هو سبب الطمأنينة والرضا والارتياح.. من يضن بنفسه حينما ينادي نداء الواجب مخافة العناء أو إشفاقاً من الإخفاق، لن ينعم قط براحة البال، وكيف تأتيه وهو أمام نفسه قبل الآخرين ـ قد تخاذل وتواني وضنّ بنفسه عن إنقاذ السفينة المشرفة علي الغرق ويتخاطفها أصحاب المطامع والشعارات!.. أطيب من هذا التخاذل خوض الغمار، وبذل كل ما في الوسع للإنقاذ والإصلاح..
 
الزلزال الذي حدث، لا يخلو مع مأساته المفجعة، من منفعة إيقاظ الدعي الغائب، ولفت الأنظار للأكاذيب والشعارات ولما يدبر للمحاماة ونقابة المحامين.. واستيقاظ الوعي هو مقدمة المقدمات لأي إصلاح.. الأشخاص تجيء وتذهب، ولكن تبقي قوة المجموع المستمدة من يقظة الوعي وسلامة الفهم.. ولن يخلو الزلزال المروع من المنفعة إذا أعطي العظة والدرس وأيقظ الوعي الذي غاب طويلا.. أليس
 
يقال: »ربَّ ضارة نافعة«؟!
 
ستمضي الأعوام، وتنطوي الصفحات المرة، وتفتح صفحات جديدة وضاءة سلاحها اليقظة والوعي اللذين يتوجب الإمساك بهما.. يومها لن تضيع هباءً جهود الذين أخلصوا وجاهدوا وانتصروا للحق ولم يشفقوا مما ينالهم من أذي في سبيل نصرته وإعلائه!

شارك الخبر مع أصدقائك