رجائى عطية

لا أمن ولا سلام‮ ‬ مع اليأس والقهر‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

أحكم وأصدق وأعقل ما أبداه الرئيس أوباما، تحذيره مؤخرا للإسرائيليين بأنهم لن ينعموا بالأمن ما دام الفلسطينيون في وضع يائس . هذا التحذير أمسك ـ واعيا أو غير واع ـ بجوهر القضية التي تاه مفتاحها من الإسرائيليين قبل غيرهم ممن يناصرونهم ربما ليتخلصوا من مشاكلهم!   
 
لن يتحقق الأمن لإسرائيل بترسانتها النووية، ولا بقواتها العسكرية، ولا بحروب الإبادة والتهجير، ولا بغارات النسف والتدمير، ولا بهدم الأبنية أو إقامة المستوطنات أو بناء الجدار العازل .. ولن يتحقق لها الأمن بدعم الولايات المتحدة ومن يجري مجراها، ولا بمصانعات الأنظمة العربية التي باعت القضية وغرقت في بئر التطبيع، ولا بالخلاف والتناحر بين فتح وحماس، ولا بتشرذم الشتات الفلسطيني، فذلك كله مهما علا واشتد وثقلت وطأته، ومهما بث من إحباط وربما يأس، لن يحقق الأمن لإسرائيل، بل علي العكس!
 
هذا الوضع المستفز قد يوئس، ولكنه لا يميت، ولا يعقم ما يعتمل في الأرحام من غضب وسخط تتوارثه الأجيال، وتتنامي به عناقيد الغضب .. موازين المصالح الدولية ليست أبدية، وما يحكمها اليوم قد يتغير باكر، وبقاء الأنظمة العربية التي انفصلت عن قواعدها وباعت القضية، هو بقاء موقوت مهما طال، ومن المحال أن يبني أمان علي أوضاع متغيرة أو قابلة للتغير أو التغيير .. وإسرائيل لا تحتمل ما قد يطرأ عليها من تغير، بينما الشعب الفلسطيني يملك الزمن والإيمان بالحق والمصير، وتتوالد أجياله حاملة بذور الغضب مع مرارة اليأس والشعور بالظلم .. وهذا هو الحساب الغائب عن المنظور الإسرائيلي الذي يغره ما تمتلكه اسرائيل اليوم من أوضاع محلية ودولية فضلا عن ترسانتها النووية وفيالقها العسكرية وقواعدها الصاروخية والجوية وقنابلها العنقودية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل!
 
ربما قامت السياسة الإسرائيلية علي أن الإحساس بالخطر هو حافز التماسك الإسرائيلي والواقي من تفرق اليهود في الداخل والخارج .. ولكن هذا النظر قصير، وامتلاك استمرار تأثيره بالغ الصعوبة ومعرض للإرتداد إلي نقيضه وسط حسابات بالغة التعقيد جعل بعضها يتسرب وتتداعي تأثيراته علي غير حسابات المخطط الإسرائيلي!
 
مالا يدركه الصلف الإسرائيلي أن العنف يولد العنف، وأن تراخي رد الفعل لا يعني أن قانون رد الفعل معطّل .. أو أنه إنسحاب أبدي أمام الظلم والقهر .. مآسي ومذابح التاريخ وأعمال العنف والقتل والإبادة، تُنَمّي في المقابل عوامل السخط والمقاومة .. وكلما طال انطواء القلوب علي الجراح كلما تنامي الغضب وتوالد العداء وقويت واشتدت أسبابه، واستمدت مشروعية أمام النفس والغير في المقاومة والرد .. ليس معني خلل الموازين الدولية أن العالم لا يري ولا يدرك ولا يفهم، أو أن الأمل فيه معدوم .. من يتأمل في تقرير القاضي جولد ستون الذي أدان إسرائيل في حربها الغشوم علي قطاع غزة بالعديد من الجرائم ضد الإنسانية .. من يتأمل هذا التقرير وما ورد فيه خلافاً لما تريده إسرائيل وأشياعها . يعرف أن تجاهل العالم ظاهري، بل إن ذات عبارة الرئيس الأمريكي المحذرة أو الناصحة لإسرائيل، تفصح عن تسليم ضمني بأن ما يحدث غير عادل ويولد ما يستحيل معه علي إسرائيل أن تنال الأمن .. لا يتحقق الأمن في أرض مخضبة بدماء شعب بأكمله، وتحت ثراها أجداث الشهداء من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال .. وعلي سطحها آثار النسف والتدمير والتجريف، وأعمال استيطان مستفزة، وتطاول علي قدسية المسجد الأقصي والمقدسات الإسلامية ..العمليات الانتحارية ـ وإن تباعدت الآن ـ ما هي إلاّ رد فعل في لحظة يأس من إحساس شعب بالقهر والتآمر علي حياته ومصيره .. فإذا عزّ علي إسرائيل أن تدرك ذلك في حالة غطرسة القوة التي تعيشها، فإن الشعب الفلسطيني بخاصة، والعربي بعامة، يدرك أن دوام هذا الحال من المحال، وأن الجلد تعقبه انتفاضة حياة، طالما استطعنا لملمة إرادتنا وعزمنا من براثن الأشجان والأحزان، وجاوزنا وهدة الحاضر ومظالمه، وصدق مصطفي كامل حين قال للمصريين مستنفرا : »إذا الشعب يوما أراد الحياة : فلا بد أن يستجيب القدر«!
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »