كيف يستطيع الخيال إنقاذ صناعتنا التقليدية؟

شارك الخبر مع أصدقائك

عمرو خفاجى :

منذ أن احتلت كلمة «المحتوى» المكانة الأولى فى عالم صناعة الإعلام، ومنذ
سيطرة تبدو واضحة للإعلام الرقمى بعد هجمات ناجحة وغارات شرسة على كل ما هو
تقليدى «مرئى ومسموع ومطبوع» قفز لمقدمة النقاش حول صناعة الصحافة
والإعلام، البحث عن موديلات اقتصادية جديدة، وهو ما يكشف بجلاء عن عجز كامل
لكل البنى الاقتصادية التى اعتمدت عليها هذه الصناعة منذ نشأتها وحتى
الآن، ويعتقد البعض أن المطبوع «الصحافة الورقية» هو الضحية الأولى لما
يحدث من تطور لمحتوى الإعلام الرقمى «الإلكترونى»، ويكفى ما حدث من مناحة
وعزاء كامل حينما توقفت «نيوزويك» الورقية نهاية العام المنصرم، واكتفت
بالوجود فى الفضاء الإلكترونى، حتى إن البعض اعتبرها بروفة لمشهد سيتكرر
كثيراً فى الأيام المقبلة لكثير من وسائل الإعلام المطبوعة، سواء فى
الولايات المتحدة أو خارجها.

لذا بات من الضرورى التفكير مجدداً فى الحال الاقتصادية للمؤسسات
الإعلامية، وهو السؤال المطروح الآن بشكل دائم ومتكرر على المهتمين بهذا
الشأن، واللافت للنظر أن السؤال مطروح فى أنحاء الدنيا الأربع، كل وفق
همومه واهتماماته، لكن المتفق عليه، حتى الآن، هو عدم العثور على الإجابة
النموذجية على هذا السؤال، وبالتالى أصبح على الجميع توفيق أوضاعه فى اطار
ما يواجهه من مخاطر تهدد وجوده من الأساس، علما بأن القناعة العامة بأن
السنوات الاخيرة شهدت تدفق المعلومات بطريقة مذهلة ومجانية، لدرجة أن البعض
مشغول بفرض ضريبة على استهلاك هذه المعلومات المجانية «أفكار تناقش فى عدة
دول أوروبية حاليا»، وهذه المعلومات المجانية تفرض بدورها سؤالا اجباريا
على صناع الصحافة: كيف أبيع بثمن ما يحصل عليه المستهلك مجاناً؟

هنا لا داعى للإجابة على هذا السؤال، بل يجب تجاوزه للنقطة الأهم وهى: كيف
نمول وسائل الإعلام فى المستقبل، وإنجاز حق الإنسان فى المعرفة؟ الآن ينشغل
الكثيرون بفكرة التمويل عبر التبرعات والهبات والمؤسسات الخيرية «إعلام لا
يهدف للربح»، وليس حتى مثل تجربة «الجارديان» البريطانية التى تمول عن
طريق وقف من جانب بعض الشخصيات ويتشارك الصحفيون فى ملكيتها فى حالة الربح،
وهذا يعنى ببساطة أن قطاعاً كبيراً يرى استحالة الوصول إلى طريقة تشغيل
متوازنة، فعلى ما يبدو أن الإعلان اعلن بنفسه عن عجزه لفعل ذلك بطريقة
شريفة تنجز فكرة حق الإنسان فى المعرفة، فكل نماذج الصحف المجانية الممولة
بالإعلان فشلت فى تحقيق اى نجاحات مؤثرة فى مفهوم خلق نموذج اقتصادى لوسائل
الإعلام، لذا يبقى لدينا حتى الآن مفهوم مؤسسات تملكها الدولة «إعلام
الخدمة العامة» وتمول عن طريق الضرائب مثل تجربة الدانمارك «الدى آر» والتى
تقدم خدمة المعلومات والترفيه المرئية والمسموعة والإلكترونية أيضا، وهو
نموذج يحظى بكثير من السلبيات والاعتراضات، ولا يشفى غليل طلاب الحفاظ على
الاستقلالية الكاملة لصناعة الرأى العام.

إن البحث عن التمويل بطرق غير تقليدية، إنما يهدف بالأساس للحفاظ على قيم
المهنة واستقلاليتها والابتعاد بها تماما عن تضليل متلقى المعلومات، سواء
عبر هيمنة شركات الإعلان أو الجهات والأفراد أصحاب المصالح الذين بالتأكيد
يفضلون خط سير بعينه للوسيلة التى ينفقون عليها، وبالتالى أصبح خلق نماذج
جديدة لتمويل انشطة حق الإنسان فى المعرفة ضرورة لازمة وعاجلة، ومؤخراً
ناقش بعض الخبراء كيفية تحقيق ذلك عبر ورشة عمل نظمتها مؤسسة فرنسية «cfi
»، لكن الحلول فى معظمها جاءت لصالح تفكيك المؤسسات العملاقة، وبناء مؤسسات
توشك أن تكون فردية، أو شبه فردية تعتمد على ما نسميه صحافة المواطن أو
الصحافة الشعبية.

تبقى القضية دائماً شبه معجزة لكل من يتصدى لها، لكن هذا لا يعنى أبداً أنه
لا توجد حلول، فكما تقترب هذه المهنة من الدمج الشامل «مثل غرف الأخبار
المدمجة لاكثر من وسيلة مرئية ومسموعة ومطبوعة وإلكترونية» فإن الحلول
ستكون موجودة أيضاً بشكل مدمج، على طريق دمج المحتوى نفسه، وإذا عدنا إلى
قصة بيل جيتس وستيف جوبز وجميع من وقفوا معهم على أرض مدينة صغيرة «سان
هوزيه» على ساحل أمريكا الغربى وصنعوا ثورة الاتصالات الحديثة التى قلبت
حال الميديا، سنجد أن الحل يكمن فى الخيال، مثلما فعلوا تماماً، حلموا
وحققوا أحلامهم، وعلى ما يبدو، أحلامنا أيضاً، دون أن يدركوا ذلك، فلا أحد
توقع أن تكون صناعة ماكينة صغيرة لاجراء مكالمات هاتفية مجانية «مسروقة إذا
اردنا الدقة« هى بداية إنجاز كل منتجات شركة آبل، أو أن التفكير فى لوحة
مفاتيح مختلفة يمكن أن يصبح جهازاً لضغط الموسيقى «آى بود» أو أن يكون
الهاتف المحمول هو جريدتك ومكتبك وأشياء أخرى، كل حسب هواه، لذا فإن الخيال
هو الحل الحقيقى لبناء النماذج الاقتصادية التى نبحث عنها دون أن نتخلى عن
قيم ومبادئ صناعة الصحافة التى قابلتها وأبناء جيلى، قبل اكثر من ثلاثين
عاماً، بطرق طباعية بدائية وأوراق وأقلام وعشق خاص لصناعتنا التقليدية،
والتى نبحث لها عن مخرج آمن ومستقبل غير مخيب للآمال ولنبل مقاصدها.

إن عالم الفيزياء الشهير ألبرت اينشتاين، والذى كان يعرف كثيراً جداً، كان
يردد دوماً فى أعوامه الأخيرة أن «الخيال اهم من المعرفة بكثير جدا» حتى
إنه كتبها ووضعها خلف مكتبه وكأنها عنوانه الشخصى وملخص معتقداته ودستور
النجاحات التى حققها.

الخيال هو ما نحتاجه بالضبط، خاصة فى بلاد مثل بلادنا، بلاد أعياها التخلف ويحاصرها التسلف ويغيب عنها العلم وتحكمها الصدف السيئة.

شارك الخبر مع أصدقائك