رجائى عطية

كلفة الثقافة

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

نشأنا في زمن ساد فيه ما يقترب من مبدأ مجانية الثقافة.. من كتب الهلال التي لازلت أقتنيها في مكتبتي الخاصة وعليها أثمانها: بسعر »8« قروش، اقتنيت ولا زلت من طبعات الخمسينات: عبقرية محمد للعقاد، وهارون الرشيد لأحمد بك أمين، وأبوالشهداء الحسين بن علي للعقاد، وعمر مكرم لمحمد فريد أبوحديد، وزعيم الثورة سعد زغلول للعقاد، وأشعب أمير الطفيليين للحكيم، وحديث رمضان للإمام الأكبر الشيخ المراغي، وأهل الكهف للحكيم، ومحمد علي جناح للعقاد، وفي الطريق للمازني، وعبقرية عمر للعقاد، وعلمتني الحياة لنخبة من كتاب الشرق والغرب بإشراف أحمد أمين، وآمنه بنت وهب أم الرسول لبنت الشاطيء، ومدرسة المغفلين للحكيم، وفاطمة الزهراء والفاطميين للعقاد، ومدرسة الشيطان للحكيم، واعترافات شبابي للكاتب الروسي ليوتولستوي، وعبقرية خالد للعقاد… وغيرها.
 
وفي الستينات رفعت دار الهلال سعر كتاب الهلال من »8« إلي »10« قروش.. ما بين طبعتي الحسين أبوالشهداء للعقاد أكثر من »15« عاما، ومع ذلك لم يرتفع سعر الطبعة الثانية »نوفمبر 1969« إلاّ قرشان، فتشجعت واشتريتها للمرة الثانية فالسعر يابلاش »10« قروش، ومن كتب الهلال التي اشتريتها في حقبة الستينات بـ»10« قروش: إسرائيليات »حتي لا ننسي« لأحمد بهاء الدين، ورسالة التوحيد للإمام محمد عبده، وما يقال عن الإسلام للعقاد، وعلي هامش الغفران للويس عوض، وغراميات فيكتورهوجو للطفي سلطان، والإسلام في القرن العشرين للعقاد، وصقر قريش عبد الرحمن الداخل لعلي أدهم، والبحث عن شكسبير للويس عوض، ومطلع النور أو طوالع البعثة المحمدية للعقاد، ورسائل نهرو إلي أنديرا لأحمد بهاء الدين، ومذكرات شارلي شابلن جزآن لصلاح حافظ، وتاريخ الفكر المصري الحديث للويس عوض… وغيرها.
 
وفي أواخر الستينات مع إرتفاع الأسعار، والورق والطباعة، لم تزد دار الهلال الطبعات الضخمة الممتازة إلاّ قرشان، فبسعر »12« قرشا اقتنيت ولا زلت مطول العقاد عن ابن الرومي حياته وشعره، ومطول محمد رسول الحرية لعبد الرحمن الشرقاوي، وحياة المسيح للعقاد، ودراسات في النظم والمذاهب للويس عوض، وتوفيق الحكيم فنان الفرجة وفنان الفكر للدكتور علي الراعي، ومطول حقائق الإسلام وأباطيل خصومة للعقاد.. وغيرها.
 
ولم ترتفع أسعار كتاب الهلال ـ ارتفاعا جنونيا!!! ـ إلاّ في السبعينات، فزادت قرشان دفعة واحدة، أي سعر الأعداد الممتازة في آخر الستينات، فوجدت في مكتبتي من كتب الهلال بـ (12) قرشا، الإسلام دعوة عالمية للعقاد، واليسار الأوروبي المعاصر لأمير إسكندر، بل ووجدت دراسات أوروبية للويس عوض، وأيضا كتابه الفنون والجنون في أوروبا 1969 بسعـر (10) قــروش، ومع أن كتاب »الوصول إلي لسعادة« جمع بين التأليف للفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل والترجمة للدكتور نظمي لوقا، إلاّ أنني وجدت ثمنه في آخر 1977 ـ »15« قرشا فقط.. كانت الأسعار حتي عهد قريب من أواخر التسعينات لا ترتفع إلاّ بالقروش، وكل هذه المكتبة النفيسة المتكاملة التي تعمدت أن أذكرها واحداً واحداً، لا تعادل ثمن كتاب واحد في هذه الأيام.. فقد ظلت لغة القروش سائدة حتي عهد قريب كما كانت بالنسبة للصحف : قرش، ثم قرش وتعريفة، ثم قرشان.. حتي جاوزت الجنيه الآن، ولم يعد في متناول الجامعي الموظف أن يواظب علي شراء ولو صحيفة واحدة كل يوم، لأن ذلك سوف يكبده في الشهر 32 جنيها أخذا بسعر العدد الأسبوعي.. أما الكتب فقد طفرت أسعارها إلي أرقام بالجنيهات ليس في وسعه أن يفكر في اقتناء واحد منها وإلاّ ےه ذلك مع سعر الجريدة أكثر من نصف مرتبه!!
 
معني أن يتضاعف سعر الكتاب من »8«قروش إلي »8« جنيهات، أن تكون الدخول قد تضاعفت مائة مرة!.. فهل تضاعفت الدخول بهذا القدر، وهل بقيت القوة الشرائية للجنيه ـ ودعونا من القروش فلم يعد لها ذكر إلاّ في كتب التاريخ ـ علي حالها لم تنخفض حتي القاع بفعل التضخم الذي أتي ويـأتي علي كل شيء!.
 
معني ذلك، ولا معني سواه، أن تصبح الثقافة ترفاً لا يقدر عليه أوساط الناس ناهيك بالفقراء، أما الأغنياء فليسوا بحاجة أصلاً إلي الثقافة ولا تشغلهم ولا يطوف بها خيالهم!..وانحصر اقتتال الناس علي رغيف العيش وغذاء البطون، أما غذاء العقول فقد ودعه الناس وداعاً يستحضر عنوان: »وداعاً للسلاح« الذي أخرج سينمائيا عن رواية الكاتب الأمريكي إرنست همنجواي!
 
ودعنا مجانية الثقافة إلي غير رجعة، فودعنا معها الفكر والثقافة، وها نحن بسبيل وداع مجانية العدالة، لنفارق معها الإنصاف والعدل وعلي كل مظلوم أن يسند ظهره إلي الحائط.. إن استطاع أن يجد حائطاً!!
 
تري ماذا نحن فاعلين في الأيام السوداء التي أدركتنا.. عفوا، لقد نسيت الحكمة القائلة : »استمتع بالسيء فالأسوأ قادم«!!!

شارك الخبر مع أصدقائك