عقـــارات

«كبح جماح التضخم» كلمة السر في ظهور «الجنيه القوي»

محمد بركة:   نجح الجنيه المصري في كسب ثقة جماهيره واصبح نجم الشباك الاول رغم مزاحمة العديد من نجوم العملات العالمية له، ليس بطبيعة الحال علي «شبابيك» دور العرض السينمائي، وانما علي «منافذ» الصرف النقدي بالبنوك المحلية، التي اصبحت تستقبل…

شارك الخبر مع أصدقائك

محمد بركة:
 
نجح الجنيه المصري في كسب ثقة جماهيره واصبح نجم الشباك الاول رغم مزاحمة العديد من نجوم العملات العالمية له، ليس بطبيعة الحال علي «شبابيك» دور العرض السينمائي، وانما علي «منافذ» الصرف النقدي بالبنوك المحلية، التي اصبحت تستقبل في العادة «كماً» من العملات الاجنبية لتقدم في مقابلها الجنيه للعملاء، في مشهد يومي لم يعد يثير اي دهشة بعد سنوات من ندرة تلك العملات!

 
كان العام الماضي هو عام صعود الجنيه، حيث ازداد الطلب عليه خلال ذلك العام كما لم يحدث علي مدي سنوات عديدة سابقة.
 
والمسلم به ان استقرار الجنيه جاء علي خلفية نجاح البنك المركزي في دعم وضعه ازاء الدولار الامريكي بصفة خاصة، وغالبية العملات الرئيسية الاخري بدءا من عام 2004.
 
وتواكبت عملية الانقاذ مع مشروع «المركزي» في تطبيق نظام الانتربنك «للاقتراض فيما بين البنوك» يعتمد علي تدعيم مراكز الوفرة داخل السوق المصرفية لمراكز الندرة وذلك من خلال عرض الفائض لديها عبر معاملات شفافة مكشوفة لاطراف السوق علي شاشات التبادل وتحت مراقبة «المركزي»، الذي اتاح له النظام التدخل مشتريا في حالة الوفرة، وبائعا في حالة الندرة لزيادة كفاءة ادارة العمليات.
 
في هذا الاطار، جاء صعود الجنيه مؤثرا حيث ترجم الي علاقات صرف قوية ونمو لافت في الاحتياطي النقدي من العملات الدولية بمقدم عام 2006، وهو ما يعكسه بصورة واضحة ميزان المدفوعات الذي يحدد ثلاثة مصادر لهذا الصعود، تسببت في مجملها في تحقيق فائض كلي استمر علي مدار عامين ماليين متاليين، هما 2005-2006، و 2006-2007 رغم ان معدلات نمو الفائض في الميزان تفاوتت من فترة الي اخري وبلغت ذروتها في المراحل الاولي قبل ان تتراجع تدريجيا.
 
اما المصادر الثلاثة لصعود الجنيه كما يحددها ميزان المدفوعات فتتمثل في تحقيق ميزان المعاملات الجارية فوائض ناتجة عن فائض ميزان الخدمات الذي يضم خدمات السياحة وعائدات قناة السويس، اضافة الي دخل الاستثمار، وعبر هذه المسارات، تدفق النقد الاجنبي الي الداخل بواقع 7,9 مليار دولار تمثل صافي المتحصلات من الخدمات بعد خصم المدفوعات خلال العام المالي 2005-2006، وهذا هو المصدر الاولي بينما يتمثل المصدر الثاني في النمو الملحوظ للصادرات مما ادي الي انخفاض العجز في الميزان التجاري بصورة مضطردة خلال تلك هذه الفترة، وبالرغم من استمرار الفجوة بين حجم الصادرات والواردات الا ان معدل نمو الصادرات بلغ نحو %35 خلال العام المالي مقابل %25 فقط للواردات اما المصدر الاخير فيتمثل في تحولات العاملين بالخارج، والتي تمت خلال الفترة نفسها بواقع %12 لتصل الي 5 مليارات دولار، وهو ما ادي الي تحقيق ميزان المدفوعات لفائض كلي في نهاية المطاف.
 
لقد كانت المصادر السابق هي اهم روافد نمو الحصيلة الدولارية التي ساهمت في تدعيم الاستقرار النقدي، غير انها لم تكن الروافد الوحيدة بطبيعة الحال فهناك مصدر رابع مستقل هو بيع الاصول العامة مرتفعة القيمة الي جانب بعض العمليات المالية للحكومة متمثلة تحديدا في حصيلة بيع الرخصة الثالثة لشبكة المحمول، الي جانب %80 من بنك الاسكندرية، وهي الحصيلة التي بلغت قيمتها نحو26  مليار جنيه من النقد الاجنبي، ومثلت نموا غير ريعي لا يتعلق بعائد، وانما ببيع اصول عامة، حتي اصبح هناك من يتحدث عن فوائض دولارية يمكنها إذا ما سمح البنك المركزي بذلك، ان تحدث تغيرا ملحوظا في موازين الصرف المحلي.
 
وبات من الضروري طرح السؤال الذي طالما اثار عبا يجدد التلويح به رعبا قبل عام 2004 في الاوساط المصرفية وهو حول مدي عدالة نظام التسعير القائم، بما يعكس العلاقة الفعلية بين الجنيه والدولار، واكتسب هذا السؤال اهمية مضاعفة بعد ان لوحظ ان «المركزي» يتدخل مشتريا في حالة ازدياد حجم الفائض حتي لا يحدث ما يهدد سعر التوازن القائم حاليا حول 5,7 جنيه للدولار الواحد، وهو سعر كانت العملة الامريكية قد وصلت اليه عبر تراجعات طفيفة علي مدار العام لم تتجاوز بضعة قروش قليلة في ظل رغبة السلطة النقدية في الحفاظ علي الاستقرار النقدي الذي تحقق، خاصة في ظل وجود قوي مقاومة لصعود الجنيه، لما يلحقه ذلك من ضرر بمصالحها.
 
ووفقا لقواعد النظرية التعادلية للقوي الشرائية بين الجنيه والدولار فإن سعر الصرف بين العملتين ينبغي ان يتحرك لمصلحة الجنيه بفارق غير ضئيل، ومثال ذلك ان عبوة المياه الغازية التي تباع علي سبيل المثال في الولايات المتحدة بسعر يزيد علي دولار اي نحو 6 جنيهات تباع مثيلتها في السوق المحلية بنحو 2,5 جنيه علي الاكثر، وكذلك الحال بالنسبة لسلع اخري تتواجد كعلامة تجارية عالمية في السوقين معا مثل الوجبات السريعة التي تحمل اسماء امريكية، من قبيل «ماكدونالدز» و«كنتاكي» وغيرها، وفي جميع هذه الحالات فإن الفروق التي تظهر كبيرة، لا تعكس العلاقة بين الجنيه والدولار ففي ظل الحالة القائمة يستطيع الدولار ان يشتري نحو 2,5 عبوة مياه غازية بينما سعر صرفه امام الجنيه يزيد عن ذلك بنحو %120.
 
ولهذا السبب يري المحللون انه بالرغم من الملاحظات العديدة علي النظرية التعادلية الا ان الفرق الذي تعكسه يشير الي وجود مبالغة كبيرة في تسعير الدولار داخل السوق المحلية ساهمت المضاربات السعرية التي سادت خلال الفترة من بداية عام 2000 وحتي عام 2004 في تحقيقها، ولم تنتج هذه المستويات عن علاقات تبادلية حقيقية، يمكنها تبرير فروق الصرف القائمة حتي الآن، والتي يتزايد الطلب علي تعديلها استجابة لما تعكسه العلاقات التبادلية الحالية من وزن نسبي للعملتين.
 
غير ان المقاومة تتزايد علي الجانب الاخر لصعود الجنيه القوي، والتي تقودها حاليا تجمعات المصدرين علي غرار ما قامت به شعبة المصدرين باتحاد الغرف التجارية التي طالبت السلطة النقدية والحكومة بالسير في اتجاه مضاد امعانا في المقاومة، حيث اشارت الي ضرورة العودة الي الاسعار السابقة للصرف بين الدولار والجنيه عند بداية تحرير الاسعار في عام 2003 بعد ان تسبب هذا القرار في فقدان المصدرين اسواقا تصديرية مهمة كان من الصعب فقدانها بدون افتقاد الميزة السعرية السابقة.
 
ولم تكتف هذه الاصوات بمجرد الدفاع عن مكتسباتها السابقة، وانما بدأت في حشد قوي ضغط لحث السلطات علي تعديل موقفها، او علي الاقل للتصدي لمحاولات إعادة النظر في اسعار الصرف ، التي تجد دعما من علاقات التبادل التجاري وزيادة الحصيلة من النقد الاجنبي، وهو الامر الذي تنبه اليه المستوردون الذي سعوا بدورهم للحيلولة دون المساس بسعر الصرف السائد لتبقي قوي الدعم والمقاومة عند حدود التوازن الحالي.
 
ويعزز من صعود الجنيه القوي، رغم التعادل السابق الذي استبعد حدوث تغيير دراماتيكي في اي اتجاه لسعر الصرف، ما طرأ من نمو علي رصيد الاحتياطيات الدولية من النقد الاجنبي التي تجاوزت 28 مليار دولار طبقا لارقام البنك المركزي حتي نهاية ابريل الماضي، مقابل تصريحات منسوبة للدكتور يوسف بطرس غالي افادت بارتفاع هذه الاحتياطيات الي نحو30  مليار دولار، وفي كافة الاحوال وبصرف النظر عن دقة الرقم الرسمي المعلن فإن هذا الرصيد المتنامي يمثل احد الركائز المهمة في نظام يستهدف الدفاع عن سعر صرف العملة المحلية، وإن كان هذا الهدف اصبح مهجورا بالنسبة للسياسة النقدية منذ نجاح سياسة تحرير سعر الصرف وتحقيق الاستقرار النقدي.
 
وحيث ان السياسة النقدية المطبقة حاليا لم تعد تستهدف زيادة سعر صرف الجنيه امام الدولار، وهو ما تؤكده تدخلات المركزي لشراء الدولار منعا للاطاحة به، فإن الهدف الحالي كما اعلن عنه من قبل «المركزي» هو الحد من التضخم والحفاظ علي المستوي العام للاسعار، وهذا الهدف وإن لم يكن له علاقة بالدولار الامريكي في السوق المحلي، فإنه يخدم من جهة اخري مفهوم «الجنيه القوي» الذي يفترض ان يلبي طموحات القوي الشرائية في الداخل والتي تحتاج الي جنيه يملك فاعلية شرائية وليس مجرد وزن مترهل لا يقابله عرض مواز للسلع والخدمات مما يجعله يتضخم دون قدرات حقيقية علي تلبية احتياجات الجماهير.
 
والامر الواضح ان تقييم الجنيه وفقا لمرجعية معدلات التضخم، التي ارتفعت بصورة درامية خلال الفترة من يوليو 2006 وحتي نهاية ابريل 2007، الذي شهد بادرة التراجع الاولي لتلك المعدلات، بعد ان كانت قد تجاوزت معدل %12,6 يشير الي ان الجنيه مازال في حاجة الي جهود حكومية الي جانب جهود القطاع الخاص لزيادة معدلات الانتاج التي تساعد علي تحقيق معدلات النمو المتسارعة لضمان صعود الجنيه، بقوة حقيقية يشعر بها المواطن فعليا ولا يحتجز التضخم اثرها وهذا هو التحدي الذي تواجهه الحكومة في عام 2007. ويبقي من السابق لاوانه القطع بمدي ما يمكن ان تنجزه الحكومة من نجاحات يفرضها هذا الرهان، خاصة ان «المركزي» لم يعلن حتي الآن عن الآلية التي يدرسها منذ فترة طويلة لكبح جماح التضخم.

شارك الخبر مع أصدقائك