شريف عطية

قنال مصر.. بين أمس واليوم

شارك الخبر مع أصدقائك

شريف عطية
 

ربما لم يرتبط تاريخ مصر الحديث- بأمر- قدر ارتباطه بشق وافتتاح وتطوير قناة السويس أو بالحروب الدائرة من حولها.. إذ كان المصريون فى بؤرة نيرانها- لا تزال- ذلك منذ كانت مجرد مشروع تبنى وسعى إليه المهندس الفرنسى «دى ليسيبس» صديق الدرس لوالى مصر «سعيد باشا» فى ستينيات القرن 19، وليفتتحها للملاحة من بعده الخديوى «إسماعيل» 1869 وسط احتفالات شبه أسطورية.. مثلت البداية لاستنزاف الميزانية المصرية، ولينقل، وقتئذ، من جانب آخر عن رئيس الأكاديمية الفرنسية نبوءته عن القناة.. بأنها «ستكون بوابة المحيطات وسيتنافس الجميع من أجل امتلاكها.. وهكذا ترسم ميداناً لمعركة كبرى مستقبلة»، ولتصدق نبوءته بالنسبة لصراع القوى الكبرى للسيطرة على هذا الشريان الملاحى الحيوى، وحيث كان من الطبيعى كذلك ألا تكون مصر بعيدة عن مجرى تطورات الأحداث.. وأن يتعرض استقلالها بشكل أو آخر لنتائج ما يدور حولها.

إلى ذلك، ازدهرت الأحوال فى مصر أول الأمر.. بفضل ريع أسهمها بالقناة- تحت الإدارة الفرنسية، ما شجع البرجوازية العليا الحاكمة- المتطلعة للتغريب- إلى الإفراط فى الانفاق.. قبل أن تضطر إلى بيع أسهمها لسداد متطلباتها التى فتحت الباب لهيمنة «مراقبى الدين» من الأجانب على ميزانيتها، وليتسبب ذلك، وغيره، فى قيام الحركة «العرابية» التى دفعت الخديوى «توفيق» للجوء إلى الإنجليز حفاظاً على عرشه، ما أدى تحت ذريعة حماية الأجانب إلى احتلال بريطانيا لمصر 1882، ولسبعين عاماً تالياً، جرى خلالها على القناة التى أصبحت شركتها بمثابة دولة داخل الدولة.. نفس ما يجرى على مصر.. إلى حين تأميمها للقناة يوليو 1956، ما استشاط حنق بريطانيا وفرنسا، والدول الأعضاء بجمعية المنتفعين بالقناة من حملة الأسهم، ليشنوا الحرب مع إسرائيل على مصر نهاية أكتوبر.. قبل أن يندحر العدوان الثلاثى فى ديسمبر، ما جعل من مصر بفضل انتصارها لاستقلالها نموذجاً قائداً يحتذى به فى المنطقة، وعلى امتداد العالم الثالث بأسره، الأمر الذى لم يلق القبول كثيراً للاستراتيجية الغربية، لأسبابها.

فى سياق متصل، سرعان ما أعطت الولايات المتحدة الضوء الأخضر لإسرائيل فى الحرب على مصر 1967، ما أدى إلى إغلاق القناة فى وجه الملاحة العالمية للمرة الثانية خلال عشرة أعوام، لم تنتظم فيها مجدداً إلا فى يونيو 1975، بعد عامين من عبور الجيش المصرى للقناة أكتوبر 1973، وليكون آخر العهد بتنميتها تلك التوسعات التى جرت فى شرق التفريعة ببورسعيد 1980، إلا أنه يحسب لها صمودها، على غير ما لحق بمؤسسات أخرى أصابها الوهن والتفكك، ربما لكونها أحد المصادر الرئيسية لتمويل الميزانية، لا غنى عنها، ولذلك فقد كان من الطبيعى أن تتجه إليها اليوم أنظار المصريين لتعظيم عوائدها، وهم فى سباق مع الزمن لإقالة الحياة الاقتصادية والاجتماعية من عثراتها، ذلك عبر شق قناة موازية.. سرعان ما هرع المصريون إلى الاكتتاب فيها- كظاهرة غير مسبوقة- تعتبر تتويجاً للثقة فى النهج الجديد لمصر والمصريين.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »