قناة السويس الدم.. والعوائد!

شارك الخبر مع أصدقائك

محمود كامل

مع أن «الجرجير والبقدونس والطماطم المجنونة»، ومعها كل ما نشترى قد تضاعفت أسعارها بين كل ليلة.. وضحاها، – يعنى حسب أمزجة التجار، وليس طبقًا لأى مبررات معقولة – فإن «نصف الدنيا» قد قام ضد «زيادة تعريفة» العبور المقدرة فى مايو المقبل لـ«قناة السويس» بنسب مقبولة ومعقولة بعد دراسات مستفيضة ومطولة، بينما رأى النصف الآخر من العالم، أنها زيادات مقبولة لا تستحق الاحتجاج، ذلك أن البديل المتاح لعبور القناة – وهو «رأس الرجاء الصالح» – بالغ التكلفة بسبب الطريق الطويل الذى على من يريد تغيير المسار.. الذهاب إليه.

ويتصور المعترضون على الزيادة الذين يهددون بتغيير المسار أن صوت اعتراضهم العالى والخالى من العدل والمنطق، قد يؤثر فى الموقف، أو قد يخيف أصحاب الأمر فى قناة السويس، لوقف قرار زيادة الرسوم، وهى الزيادة التى تتراوح بين و2 و3 و%5 حسب نوع البضائع العابرة.

ولو لم تكن لدى شركات النقل الملاحى دراسات مسبقة عن فوائد استخدام القناة لعبور بواخرها تؤكد أنها هى الأرخص، ما عبروها، ولا اقتربوا منها حتى لو كان ما يوفرون لا يزيد على بضعة «سنتات» وليست دولارات بحالها، ذلك أنهم يعلمون تمامًا – أكثر من غيرهم – بأن توفير الوقت يعنى توفير المال ضمن اعتقاد طرحه الغرب فى شعارات قديمة تقول «إن الوقت هو المال»، وهو الشعار الذى كان وراء كل تقدم حققوه فى كل المجالات، وهو الشعار نفسه الذى لا نهتم نحن بتحقيقه مما سبب لنا كل «البلاوى والانتكاسات» التى نحن فيها بسبب عدم تقدير «قيمة الوقت» فى «صناعة التقدم» الذى يصل إلينا ونستعمله بعد سنوات طويلة من حدوث ذلك التقدم الذى صنعوه، وذلك ضمن معتقد عربى أبله يقول: ما دام غيرنا بيفكر، ح نوجع دماغنا ليه.. وذلك سر «الوكسة» التى نحن فيها منذ سنين.. وحتى الآن ما لم نحترم قيمة الوقت الذى قال عنه شاعر قديم: دقات قلب المرء قائلة له.. إن الحياة دقائق.. وثوانى!

المهم أن الذين يشتكون من زيادة رسوم العبور يشتكون فى الوقت نفسه – أو يتحججون – بسوء الظروف التى تفتح صراعًا بين شركات النقل البحرى على أيها يجد بضاعة للنقل، وهو ما يصنع ركودًا يشكو منه الجميع، طيب إذا كانت هناك ندرة فى البضائع المشحونة بحرًا فليقل لنا أحد ما هو ذنب قناة السويس فى ذلك.

وينسى هؤلاء المتباكون على الزيادة أن 35 مليون حاوية تعبر القناة سنويًا، وهو معدل يرتفع قليلاً، أو ينخفض قليلاً طبقًا للظروف، إلا أنه يظل يمثل أكبر عبور تجارى فى العالم لقناة السويس التى ليس لها منافس.. أو بديل، رغم كل المحاولات – وأولاها المحاولات الإسرائيلية الفاشلة – لصنع بديل للقناة التى دفع عشرات ألوف المصريين – فى زمان السخرة – حياتهم ثمنًا للحفر الذى دفنت أجسادهم الشقيانة وسط رمال وطين الحفر، حيث لم يكن أمام «ديليسبس» شرف تعطيل مصالحه الاستعمارية لدفن الضحايا من العمال فى مدافن إنسانية تليق بختام حياة ضاعت فى سبيل ما لم يكونوا يعلمون له فائدة، مقابل وجبات بالغة التدنى تحوطها «كرابيج» المشرفين وأسلحتهم، أى أن حفر قناة السويس سوف يظل – رغم كل ما حققته من فوائد للتجارة العالمية – نموذجًا للسخرة، وقسوة قلوب الأجانب الذين أشرفوا على تلك الحفائر، التى أحيطت بكل أنواع «العبودية» التى – ضمن النفاق الدولى – افتتحتها «أوجين» ملكة فرنسا فى احتفال بالغ البذخ تم تدبير نفقاته من دم المصريين الذين دفنوا فى رمال ما حفروا!

ومهما رفعنا من رسوم العبور، ومهما كانت العوائد المالية لذلك العبور، فلسوف يظل الثمن المدفوع فيها من دماء عشرات ألوف المصريين الغلابة الذين قطعت لحوم أجسادهم سياط السخرة علامة تاريخية عما يفعله المستعمرون، الذين ظلوا يقبضون رسوم العبور لسنين طويلة، وضع لها عبدالناصر حدًا بتأميم القناة، استردادًا لعوائدها التى هى ما ضحى المصريون الذين حفروها بحياتهم، ليعود إلى الأحفاد بعض مما دفع فيه أجدادهم أفدح الأثمان!

شارك الخبر مع أصدقائك