قمــة العشـــرين المقبـــلة وســــعر الصــــرف

شارك الخبر مع أصدقائك

يحيى المصري

في الشهر الحالي تجتمع قمة العشرين في سول بكوريا الجنوبية، لبحث الخطوات التي تمت في معالجة الأزمة المالية العالمية التي بدأت منذ حوالي سنتين، وسيكون من أهم الموضوعات التي ستبحثها القمة إعادة تقييم سعر العملات، خاصة العملة الصينية »اليوان«، وذلك بعد تزايد العجز التجاري مع الصين في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ودول أخري، وبعد أن عجز اجتماع صندوق النقد الدولي خلال الشهر الماضي عن إصدار توصية حاسمة في هذا الموضوع بالرغم من المناقشات الساخنة التي تمت في اجتماعه الأخير بواشنطن.

إن التوصية التي توصل لها وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية للدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي، »187 دولة«، كانت توصية هزيلة فعلا، حيث طالبت بأن يتم في المستقبل تعزيز إجراء مراقبة العملات من قبل صندوق النقد الدولي، وألا تتسبب السياسات الاقتصادية المحلية في عرقلة النمو العالمي، وأن يقوم الصندوق بدور أكبر في زيادة مراقبة السياسات الاقتصادية والنقدية للقوي الخمس الرئيسية، وهي: الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والصين، واليابان، وبريطانيا.

وبذلك فإن هذه التوصية لم تكن موجهة للصين فقط، ولم تكن تخص »اليوان« فقط، ولكنها كانت توصية عامة ولا تتضمن تحديداً فاصلا للمطلوب في مجال الإصلاح المالي العالمي وإعادة تقييم »اليوان« بما يؤدي إلي رفع سعر صرفه، وبالتالي ترتفع أسعار السلع الصينية التي تباع في أسواق العالم، وتتوقف السلبيات لكثير من الدول الكبري، وعلي مستوي الدول الفقيرة أيضاً، حيث أدي هذا الانخفاض في أسعار السلع الصينية المصدرة إلي إغلاق مصانع، وتشريد عمالة، وزيادة نسبة البطالة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.

وفي مصر علي سبيل المثال، فقد نشرت جريدة »الأهرام« بتاريخ 2010/10/15 معلومة عن السلع الصينية التي تباع في السوق المصرية، وبالرغم من أنها لم تذكر المصدر لكنني أعتقد في صحتها، خاصة أنها توضح أن نسبة الاستهلاك في مصر من السلع الصينية في جميع المجالات تصل إلي %90 من حجم البضاعة الموجودة بالسوق، وأن عدد الشركات التي تقوم بالاستيراد من الصين يبلغ 500 ألف شركة، وأن السلع الصينية تصل إلي المستهلك المصري في عقر داره بالمنزل والشقة، وأن الباعة الصينيين ينتشرون علي الأرصفة في كل الشوارع يقدمون البضاعة رخيصة ثمن، وكلنا نعلم أن الصين أصبحت تنتج السلع التي تهم المسلمين كالسبح، والسجاجيد، والراديو المؤذن، والتابلوهات التي تحتوي علي أشكال دينية، بالإضافة طبعا إلي السلع الاستهلاكية الأخري كالسلع الهندسية والسلع الكهربائية والمعدنية وغيرها.

ولا يخفي أن استمرار استهلاك هذه السلع الصينية الرخيصة في مصر سيؤدي إلي مشاكل اقتصادية لا يعلم مداها إلا الله، وقد يؤدي فعلا إلي توقف بعض المصانع المصرية وزيادة نسبة البطالة، وارتفاع مستوي الفقر والتباعد بين الطبقات، خاصة أن الواردات من الصين في عام 2009 وصلت إلي خمسة مليارات و107 ملايين دولار أمريكي، بخلاف التهريب من السلع التي تأتي عبر موانئ بورسعيد وليبيا والأردن وسوريا، والذي يقدره بعض الخبراء بحوالي نصف القيمة المسجلة رسميا، ومن الطبيعي أن إقبال أغلب المستهلكين في مصر علي شراء السلع الصينية يرجع إلي ضعف مستوي دخولهم وإلي ارتفاع أسعار السلع المنتجة في مصر والمستوردة من دول أخري.

ولذلك فإنه من الأهمية أن يقف المسئولون الاقتصاديون في مصر وراء الضغط الأمريكي – الأوروبي علي رفع قيمة اليوان والمرتفعة قيمته حالياً بأكثر من %20، »قدرت بعض المصادر أن انخفاض سعر صرف اليوان يصل من %20 إلي %40«، وأعتقد أن ذلك لا يفوت الدكتور يوسف بطرس غالي باعتباره رئيس لجنة السياسات المالية والنقدية بصندوق النقد الدولي والذي صرح منذ أيام بأن هناك قلقاً عالمياً من إمكانية نشوب حرب باردة عالمية حول أسعار الصرف، حيث تشعر الولايات المتحدة واليابان والدول الأوروبية بالإحباط من تباطؤ رفع الصين لعملتها »اليوان«، كما صرح رئيس البنك الدولي منذ أيام بأن التوترات الشعبية بسبب »اليوان« في الولايات المتحدة وفي كثير من دول العالم تدفع الزعماء السياسيين في هذه الدول إلي تركيز الضغط الشعبي علي الصين.

وتعني هذه التوجهات الجديدة أن الصندوق يفكر في أن يطلق مبادرة جديدة من أجل الاستقرار الشامل في تقييم العملات ويكون من شأنها تسريع إصلاحات العملة، وتتضمن هذه المبادرة ما يطلق عليه »التقييم المتبادل« وهو عبارة عن خريطة يجري تطويرها بين دول مجموعة العشرين للاقتصادات الكبري في العالم باعتبارها واحدة من أدواته الرئيسية وذلك للتصدي لمشكلة العملة ومن أجل الوصول إلي نمو عالمي متوازن، وفي ضوء ذلك شدد الصندوق علي أهمية قيام الصين بالإسراع بإصلاح عملتها طالما كانت ترغب في الحصول علي صوت أكبر في الصندوق.

غير أن سيادته لم يذكر أي تفاصيل عن طبيعة المبادرة التي سيقوم بها الصندوق لإصلاح سعر الصرف، وما هو دور الصندوق في هذا الإصلاح الذي قد يمتد إلي الالتزام بالتغيير عن طريق مجموعة خبراء تمثل الصندوق الدولي الذي سيطلب منها التعديل، وقد يمثل فيها أيضاً البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، غير أن تأكيد الدكتور »غالي« علي أن المسئولية تقع في النهاية علي كل دولة علي حدة، لم يتبين منها حقيقة ما ينوي عليه الصندوق.

وأقول إن إصلاح سعر الصرف سوف يتطلب بعض عوامل مضادة من الصعوبة تحقيقها بصفة عاجلة، لأنها تتطلب مشاورات فنية طويلة ومن بينها:

1- أن تقوم كل دولة عضو بالإعلان عن رغبتها في إعادة التقييم، إما بتعديل النظام المتبع حالياً في تحديد سعر الصرف، وإما الإبقاء علي هذا النظام والتمسك به.

2- أن الدول التي أعلنت حرية التحويل في ضوء المادة الثامنة من اتفاقية الصندوق، وبالتالي أعلنت حرية تحديد سعر صرف عملتها وتركه للعرض والطلب في السوقين المحلية والدولية، قد لا ترغب في التعديل حالياً.

3- أن الدول التي يرتبط سعر صرف عملاتها المحلية بعملة رئيسية أو بسلة خاصة أو من وحدات حقوق السحب الخاصة، قد ترفض التعديل، لأنها تري صلاحية سعر صرف عملاتها المحلية في تشجيع الصادرات التي تعتبر أداة مهمة للتنمية وفي مقدمة هذه الدول الصين.

وبالتالي فإن الموضوع شائك ويتطلب مشاورات دولية طويلة تتضمن مشاركة جميع الدول الأعضاء، سواء الدول التي ترغب في تعديل سعر الصرف لعملتها أو الدول التي لا ترغب في ذلك، وعلي أن يكون هناك إجماع دولي علي التعديل أو علي الأقل موافقة مطلقة علي ضرورة تخفيض أو رفع قيمة عملة دولة ما حتي لا تأكل حقوق الآخرين، ولا تدع الآخرين يأكلون حقوقها، وهو ما يمكن أن يؤدي إلي صدام اقتصادي يتبعه صدام سياسي، كما قد يجر إلي صدام عسكري وحروب طاحنة لا يعلم مداها إلا الله.

شارك الخبر مع أصدقائك