قلوب العرب شتّى.. ومنافسوهم متوحدون

شارك الخبر مع أصدقائك

حدثان دراماتيكيان فى منتصف يوليو، لعامين متتاليين، لكل من إيران وتركيا، سواء بالتسوية الدولية لبرنامج إيران النووى أو للمحاولة الانقلابية الفاشلة فى تركيا، إذ تمتد آثارهما إلى آجال قادمة بالنسبة للدولتين ولمجمل منطقة الشرق الأوسط، من بعد أن أفاض أولهما على طهران مليارات الدولارات المجمدة بفعل العقوبات الأممية عليها.. كما ساهم فى تطبيع علاقاتها مع الولايات المتحدة خصمًا من تحالف الأخيرة مع أصدقائها من العرب.. فضلًا عن إضفاء دور مميز لنفوذ إيران الإقليمى، ذلك فيما أغاض ثانيها خسائر على تركيا تقدر حتى الآن بتسعين مليار يورو، كما أعاد هيكلة الجيش التركى بما يضعف هيبته الاحترافية.. وبحيث يعجز عن الدفاع فى مواجهة تهديدات حقيقية، فضلًا عن تحويل البلاد إلى سجن كبير بذريعة تحجيم المنفذين للسيناريو الانقلابى من الداخل.. والذى يرى الرئيس التركى أن من ورائه «الغرب» مدبرًا له من الخارج، داعمًا للإرهاب (الكردى).

على صعيد متصل، تتعرض إيران منذ يوليو 2015 لخلافات متصاعدة بين أجنحة الحكم، أصوليين ومعتدلين، وما بينهما والمعارضين للنظام (ولاية الفقيه)، كما تشهد تركيا منذ يوليو الماضى- وما قبله- مطاحنات دموية بين الأكراد والقوميين من ناحية.. وما بين العلمانيين والإسلاميين من ناحية أخرى، وفيما بين الإسلاميين بعضهم (جماعة جولن وحزب العدالة والتنمية الحاكم).. حتى كادت المسئولية عن الانقلاب تتوزع بين كل هذه القبائل، وهو ما أفشله على الأرجح، ناهيك عن اتهامات تلاحق أميركا، ودولة الإمارات لم تستثن حتى مصر، فإذا وضعنا ذلك الذى يحدث فى كل من تركيا وإيران بجانب ما يحدث فى العالم العربى، لأمكن الكشف عن ما لم يعد سرًا بالمطلق.. بشأن إعداد خرائط جديدة للمنطقة، خاصة فى ضوء ما سوف يترتب على الحالتين السورية والعراقية من نتائج جيوسياسية، ربما تمتد إلى دول الجوار العربى الأخرى، لاسيما من بعد أن تعاظمت طموحات الجارتين الإسلاميتين غير العربيتين.. بنظاميهما الشمولى الصارم، ما قد يدعوهما فى ظل الضعف العربى المشهود إلى الاتفاق فيما بينهما نحو تكريس مناطق نفوذيهما الإقليمية وفقًا لما تمليه مصالحهما، وبمساعدة من وكلائهما العرب المحليين، سياسيًا وعرقيًا وطائفيًا.. إلخ، إذ يبدوان أقرب إلى فكرة تقاسم النفوذ بينهما كأفضل وسيلة عوضًا عن الصراع الذى يخصم من رصيدهما الإقليمى، ولا يعظمه، ربما على غرار ما سبق منهما تاريخيًا- رغم عدائهما- منذ ما قبل خمسة قرون فصاعدًا، حين أبرما اتفاقات ومعاهدات (..) اقتطعت من أراضى الدول العربية (..) ما ليس من حقهما.

أين تقف إسرائيل من ذلك؟ وهى التى تربطها بتركيا روابط أطلسية وتحالفات عسكرية وعلمية واقتصادية، كما بينها وبين إيران. قد يسمى غزلًا صامتًا، يستعيد من حين لآخر وشائج علاقاتهما التاريخية منذ «قورش العظيم» الذى حرر اليهود من الأسر البابلى.. إلى ما قبل الثورة الإسلامية 1979، إذ سوف يتوقف الأمر عندئذ عما سيكون عليه الفعل العربى فى إطار هذا السيناريو الثلاثى غير العربى، سواء بالسلب أو الايجاب، خاصة أن العلاقات بين النظام العربى وكل من الجارات غير العربيات ليست صحية، تقتصر فحسب على رفض مشاريعها للهيمنة، تركية أو إيرانية أو إسرائيلية، أو حتى أممية، لكن دون السعى نحو بلورة المشروع العربى الكفيل بالتصدى لمشاريع الهيمنة من الآخرين، وكذا بالعمل نحو النهوض بالمقدرات العربية.

فى إطار ما سبق، لا يغيب عن القوى الكبرى تكريس رهانها على منطقة الشرق الأوسط، ما يجعل من كل منها- أو بمشاركة مع آخرين- طرفًا أساسيًا فى المعادلة شرق الأوسطية الجارى ترتيب أوراقها، سواء من روسيا (وحلفائها) التى عادت بقوة إلى مسرح العمليات بالمنطقة.. تطبع علاقاتها مع الجميع أو من الولايات المتحدة (وحلفائها) ذات النفوذ التقليدى مع معظم دول المنطقة، وحيث لا تزال الأيدى العربية ممدودة إليهم على استحياء فى داخل الإقليم وخارجه، بسيان، بينما قلوبهم شتى.. ومنافسوهم متوحدون.

شارك الخبر مع أصدقائك