رجائى عطية

قانون التظاهر الغاية والحدود والضوابط

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

ظنى أن كثيرين ممن يخوضون الآن فى قانون التظاهر لم يدرسوه، وربما لم يقرأوه.. وقراءته بل ودراسته واجبة لنكوّن رأيًا صحيحًا عنه، يتناوله بفهم وبرؤية موضوعية تراعى ضبط الميزان الدقيق بين الحرية بما فيها حرية التظاهر، وهى حق دستورى لا مراء فيه، وبين حق المجتمع فى كفالة الحياة والاستقرار والنظام، وتوقى الفوضى المغرضة التى تتوسل بالمباح لتحقيق غير المباح.

دعونا نتفق ابتداءً على أن قانون التظاهر يستهدف أو يجب أن يستهدف منع الفوضى المؤذية وتوابعها، لا منع التظاهر.. وأن تنظيم الحق إذا التزم بضوابط معقولة، لا يعد مصادرة للحق ولا منعًا له. وهذا «المحز» يستلزم دراسة الضوابط التى تضمنها القانون، هل هى فى حدود المعقول بحيث لا تحيل التنظيم إلى منع ومصادرة، أم أنها تجاوزت أو اقتربت من تجاوز الحدود المعقولة، فغدت والأمر كذلك مصادرةً للحق ومنعًا واقعيا من ممارسته.

وهذا المعيار الواجب، معيار دقيق يكاد يكون «على الشعرة» فى ظل ظروف التبست وتعقدت وتستوجب الدقة فى رعاية دواعيها المتباينة بحيث لا تخل بموازين وفلسفة التشريع.. وظنى أن ما يتعلق بهذا «الميزان الحساس» لا تجرى فيه الرؤى على اتفاق أو على نظر واحد، وتستطيع أن تلمس اختلاف هذه الرؤى فى أى حلقة نقاشية عشوائية، أو فى الحوارات والمقالات والتصريحات المتداولة، بين من يغلب عليه الانحياز للحرية مهما كانت عوادمها، وبين من تقلقه الفوضى حتى يقبل أو يكاد يقبل كل ما يضمن الحيلولة دون تفشيها بعد أن كابدنا مكابدة مُرَّة منها، حتى وإن أدت الضوابط إلى مصادرة الحق أو كثيرًا من الحق.. وقليلون هم المعتدلون الذين يوازنون بدقة وعمق وتجرد بين الحقوق المتقابلة.

وتقابل الحقوق واقع يدركه العارفون، فكل حق يلازمه واجب، ويقابله حقوق أخرى، فحق المالك فى ملكه وممارسة حياته بحريته فيه، يلازمه واجب أن لا يجور أو يتعسف فى استعماله لحقه بما يجور على حقوق جاره، ويقابله حق الجار فى أن تصان له هو الآخر حقوقه فى ملكه وممارسة حياته بحريته فيه بغير تعدٍّ أو تجاوز ضار من جيرانه. والحق فى حرية الرأى والتعبير، يقابله حق المجتمع فى حماية شرف وعرض واعتبار الآخرين وحمايتهم من جنوح السب والقذف بغير حجة ولا أساس، والحق فى البناء يقابله حق المجتمع فى التزام خطوط التنظيم، وهكذا.. فالحق المطلق لا وجود له. وهذا التلازم بين الحق وواجبات ممارسته، وبين تقابل الحقوق، حقيقة مؤكدة تراها فى كل أنواع الحقوق بلا استثناء، وبغير هذا التلازم وهذه المقابلة، تتحول المجتمعات إلى غابة من الفوضى والتجاوزات يكتوى بنارها الجميع، وقد أدى ذلك إلى نشوء نظرية التعسف فى استعمال الحق، لوضع الضوابط التى تكفل ألا يؤدى التعسف فى استعمال حق ما، إلى الإضرار بحقوق الآخرين.

ونظرية التعسف فى استعمال الحق، من أكثر النظريات القانونية ثراءً وعمقًا وعراضةً فى فكرها وفى جوانبها ومعاييرها وقياساتها.. ولا شك أن حق التظاهر، على وجهيه، مسألة مجتمعية عريضة، فيها الحق المقرر الواجب الاحترام، وفيها أيضًا التقابل مع حقوق مؤكدة للمجتمع فى كفالة أمنه وأمن وحقوق أفراده، واستقرار حياته ونظام نشاطه وممارسة حقوقه بلا مساس أو مضرة تأتيها من جراء التعسف إذا حدث فى استعمال الحق.

هى إذن قضية مجتمعية، لا تقتصر على الحق المجرد فى التظاهر، وإنما تمس حقوقًا متقابلة للمجتمع، والمأزق الحقيقى الحالى أنه لا توجد بعد السلطة التشريعية التى تعبر عن المجتمع بكل شرائحه وتوجهاته، وتكفل مناقشة هذه القضية من كل جوانبها ووجهات النظر المتقابلة فيها. وقد كان يمكن أن يعد تجاوزًا لمبدأ الفصل بين السلطات استطراد محكمة القضاء الإدارى إلى مطالبة الحكومة بقراءة أو بإعادة قراءة قانون التظاهر، فذلك الاستطراد يمثل ولا شك خروجًا على المبدأ الدستورى بالفصل بين السلطات، لولا أن قانون التظاهر صادر عن السلطة التنفيذية فى إطار السلطات الاستثنائية المقررة لرئيس الجمهورية فى حالة غياب أو عدم انعقاد السلطة التشريعية، ومن ثم جاء إصدار هذا القانون بقرار جمهورى من الرئيس المؤقت للجمهورية، وهو الرئيس الأعلى للسلطة التنفيذية، وليس صادرًا مع التسليم بدواعى سلطة الرئيس عن السلطة التشريعية المفترض انتخابها قريبا التزاما بخارطة الطريق وبالدستور الذى أقره الشعب فى الاستفتاء المعقود يومى 14، 15 يناير 2014.

وظنى أن هذا القانون يتوجب عرضه على مجلس النواب المرتقب انتخابه قريبا، بعد أن حسمت تصريحات الرئيس الأقاويل والآراء الدائرة حول تأجيل هذه الانتخابات أو إرجاءها، وعرض هذه القانون على السلطة التشريعية المرتقبة، يستوجبه أولاً أنه صدر بقرار جمهورى بقانون فى ظل عدم وجود سلطة تشريعية للبلاد، مما يوجب عرضه فى أول دور انعقاد للبرلمان، ويستوجبه ثانيا أهمية هذا القانون والاعتبارات العديدة المحيطة به، والتى يتوجب أن يكون النظر والقرار فيها إلى السلطة التشريعية المعبرة عن المجتمع، وليس إلى الحكومة التى لا توجد حكمة فى تعجلها الآن النظر فى تعديل قانون من المؤكد أن مآله قريبًا إلى مجلس النواب المنوط به السلطة التشريعية للبلاد.

بقى أن أقول لكم إن التمهل انتظارًا للتشكيل القريب للبرلمان، لا يعنى المصادرة أو التجميد، وإنما هو حكمة تتغيا ترك الأمر لأصحابه. وهذا الواقع يستوجب أن يكون هذا القانون مطروحًا من الآن بنصوصه التى ظنى أن كثيرين لم يقرأوها أو يدرسوها بتأمل، ليشكل حصاد حوارات المجتمع بكل فئاته وشرائحه وعناصره وتوجهاته يشكل المادة التى يرتكن إليها مجلس النواب المرتقب فى تصديه لهذا القانون، بما يعبر فى النهاية عن رؤية المجتمع، ويقيم الميزان الصحيح بين الحق والحرية والواجب، وبين النظام وضوابطه، وبين حق التظاهر بلا مصادرة تجهضه أو تمنعه، وحق المجتمع فى حماية أمنه وأمانه من الفوضى التى قد تتوسل باستعمال المباح إلى غير المباح!

شارك الخبر مع أصدقائك