في عشق الأماكن ‮.. ‬وغربة الرحيل‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

محمود كامل

عن الأماكن لم أجد حرفاً في قصائد العشق، وحكايات الغرام! 
لأن الإنسان قد احتكر لنفسه، حتي في الأساطير ــ أدوار البطولة متجاهلاً تماماً أن الأماكن التي تناساها كانت شاهدة علي كل ما جري، مطمئناً الي أن طوب الجدران، ورمال الصحاري لن تنطق أبداً بوقائع كل ما ارتكب »فرسان الحواديت«، فالأماكن ــ بصمتها المطبق، لا تعرف الغدر، وان برع فيه الإنسان!

 
فالأماكن ليست ــ كما يتصور البعض ــ مجرد جدران، وأسقف، وطرقات، انما هي ذاكرة وان كانت صامتة لا تنطق ذاكرة تموج بمشاعر الحنين، يوحشها كثيراً غياب البعض، وان سعدت ــ أحياناً ــ برحيل آخرين، ولأنها جماد لا يعرف النفاق فإنها تحب فقط، أو تكره فقط، وليس لها باع في عالم »الرماديات«!
 
تفرض عليك الظروف أن تغادر مكاناً تعشقه، فيشمت بك بعض رفاق الطريق فرحين بالرحيل، بينما تبكي رحيلك جدران المكان، ولو كانت لها أيد لتشبثت بك راجية البقاء، فالجماد لا ينسي أبداً أنك كنت أحد شهود حفر موقعه، لا ينسي أبداً انك لم تبخل علي عمرانه بشبابك، وسنين عمرك، وسهر لياليك لتكون جميعها ضمن »خلطة المونة« التي ارتفعت بها جدرانه والتي صنعت منه أعمدة بنائه و»السقوف«.
 
لا ينسي أبداً متابعتك لارتفاع طوابقه طابقاً فوق طابق عن سطح الأرض، ولا فرحتك »الطفولية« يوم وطأته قدماك لأول مرة فور إضاءة الأنوار، فرحة أب يتلقي بين أحضانه مولوده البكر!
 
تحس بنا الأماكن بنفس قدر احساسنا بها، ذلك أنها تدرك، وإن لم تتكلم ــ كمّ العرق والجهد الذي يبذله بعض الساكنين، وتدرك كذلك كمّ اللهو الذي استمتع به آخرون في نفس الأماكن!
 
تدرك الأماكن أنك قضيت فيها ومعها ما لم تقضه مع أولادك، وبين أهلك، تدرك الأماكن، وتعلم عدد المرات التي تركت فيها دفء الفراش في عز ليل الشتاء القارس عائداً اليها لتقود »كتيبة الأزمة« في مواجهة لأحداث لم تكن في الحسبان، لتقضي ساعات طوال بغير عدد، وليال تنسي فيها نفسك، وأهلك، بل حتي الطعام ما عدا ما كُلفت به قبل أن تعود ــ مهدود الحيل ولكن راضياً الي بيتك من جديد!
 
تدرك الأماكن ــ ولا تنسي ــ أن عقارب الساعة، وشروق الشمس والغروب لم تكن تعني لك شيئاً عندما يحتاج اليك المكان الذي ربطتك به »وحيداً« لحظات التعاسة والحزن ولحظات السعادة والأنس والانتصار، ومعها لمحات من النشوة، وأحياناً لحظات من »الغرور«.
 
نفس الأماكن شهدت ــ قبل الرحيل ــ لحظات من الضعف البشري، عندما تبكي وحيداً دماً بغير دموع لحظات قهر فرضت عليك ظلماً لا تستطيع دفعه، لتحفظ الجدران الصماء في ذاكرتها صورة لقهر المحاربين، فلا يعرف بقهرك أحد، لتمتد اياديها الخفية لتربت علي كتفيك بديلاً لأم قد واريناها ــ منذ سنين ــ التراب!
 
ويناديك المكان عندما تمر أمامه وان لم تقصده يناديك عندما يحس بأنك قد اشحت بوجهك عنه في لحظة ضعف سحبت فيها غضبك من الناس علي المكان، تسمع عتابه الهامس يصّم أذنيك، لم يكن العشم، انا لم اغدر بك أبداً، وانما غدر بك الرفاق، فلا تكن مثلهم ظالماً فتحاسبني عن ذنب اقترفوه في حقك، انك لا تدري كم بكيت لحظة الفراق، وأصدق المكان!!

شارك الخبر مع أصدقائك