في التوحيد والوحدانية‮ ‬(2 – 1)

شارك الخبر مع أصدقائك

تري من أين جاء أصل الفكرة التي نعبر عنها بكلمة »الوحدانية« أو كلمة التوحيد ؟.. لعله بدأ في فكرة الواحد العددي، أو من فكرة الواحد.. بمعني الأنا أو الذات حين تري نفسها وحدها – وتري كل من عداها وما عداها خارجي وغيرها دائماً، وحين تتصل به أو تصل إليه بالعواطف والأفكار والأفعال والموافقة والمخالفة دون امتزاج حقيقي بالأنا التي تبقي في وحدتها وتفردها سليمة كانت أو مريضة من مولدها إلي مماتها، أو من فكرة الكلي العام في لغات الآدميين حيث يشير اللفظ الواحد الدال علي فرد غير معين أو إلي جمع من الأفراد لجنس أو نوع أو طائفة أو أسرة أو مصطلح يندرج تحته جميع أفراد كل قسم بحكم اشتراكهم في معني عام جامع ملحوظ في التقسيم برغم اختلاف كلٍّ في خصائصه الفردية عن بقية الأفراد، أو عن فكرة الشيء الجامع لأجزاء متعددة باعتبار كل شيء حي أو غير حي مكون من أجزاء تتألف منها في عقل الآدمي وحدته أو ذاتيته التي تبقي مع وجود أجزائه المختلفة تكويناً أو وظيفة.. وهو ما يشاهده الآدمي العادي في الكون والعالم والطبيعة كما يشاهده في مقلة الذباب وحبة الرمل.
 
أو لعلها بدأت وانتهت في عقل الآدمي وطرائق عمله فإنه دائب علي المداولة بين التحليل والترتيب طول الوقت.. وفي كل وحدانية أو توحيد – اجتماع تحليل وتركيب.. لأنها من عمليات عقل الآدمي المطردة خلال حياته والتي يترك آثارها بوسيلة أو أخري لعقبه من بعده.
 
فأصل فكرة الوحدانية والتوحيد – فيما يبدو – لا يتجاوز طبيعة عقل الآدمي ولا يمكن أن يتخطي مساعي عقول الناس وتصورهم لذواتهم وعالمهم الداخلي والخارجي بقدر إمكانات هذا التصور وقدرات هذه المساعي.. وهو دائماً تصور جزئي محدود يتسع ويضيق بقدر ما يتسع له ويضيق عقل الآدمي في زمان ما ومكان ما مع الظروف المواتية أو المعادية.. وهو لا يمكن أن يصدق علي الكون بأسره أو الطبيعة بأسرها إلا صدقاً جزئياً نسبياً قابلاً للاتساع مع زيادة الفهم وقابلاً للضيق والتقلص مع ضيق الفهم ونقصه.
 
ثم لم تلتفت عامة الناس إلي فكرة الوحدانية والتوحيد إلا بعد عصور متطاولة من التعددية والكثرة.. ويبدو وأن ذلك كانت بدايته من قبائل الرعاة التي وافقت بساطتها ما في فكرة التوحيد من بساطة وخلو من التعقيد وقابلية شديدة للامتزاج بوحدة الأصل للبيئة وضرورة الالتصاق به لكل فرد من أفرادها أينما يكون.. فأصل القبيلة أب واحد كان علي الأرض يرعاه ويرعاها أب واحد مكانه في السماء، ورعايتها تكون في تكاثر أفرادها وتكاثر ماشيتها وامتداد أعمارها وتجنيبها شرور الجفاف والقحط والمرض ونصرتها علي من يعاديها في العراك والقتال.. وقد امتزج الأبوان مع مرور الوقت في الأب السماوي الذي لا يموت، وصار التعلق به والتعصب له عادة يلقنها كل فرد منذ مولده لأنه يلخص تعلقه الشديد بقبيلته.. وحين انتقل الرعاة الي المدينة انتقل معهم هذا الأب السماوي واتسع اختصاصه، فامتد إلي ما يبحث فيه أهلها من نشأة الكون وأصل الإنسان وإيجاد السماوات والأرض وامتياز إتباع الأب السماوي علي سائر الخليقة ومحاسبة كل منهم عن سلوكه ومثوبته وعقابه عنه في حياة أخري يعود إليها بعد الموت.
 
ولم يكن ذلك اختلاقاً أو خديعة أو كذباً أو خرافة متعمدة.. لأن ذلك بعض تلخيص لبعض مسيرة عقل الآدمي وروحه مع الظروف التي وجد فيها خلال قرون طويلة.. إذ لم تكف عقول الناس منذ خلقت عن السؤال عن الأسباب والكيفيات والأغراض والمصائر ونوعية الوصول إلي إجابات والارتياح إلي بعضها،  كما لم تكف العقول عن تغيير موقفها حسبما أتيح لها من فرص الاستنارة.. وهي دائماً قابلة للزيادة والنقصان مع زيادة الإلتفات ونقصه وتوافر الوسائل وندرتها.. وهذا باب مبناه لدي عموم الناس حسن الفطن وسلامة النية وإخلاص الاعتقاد فيما استراح له عقل الآدمي وروحه من إجابات علي مقدار وعيه وظروفه.. ولن تتوقف مسيرة عقل الآدمي وروحه عن سيرها إلي الأمام أو إلي الخلف مادام موجوداً.. مع ملاحظة أن أمامية الأمام أو خلفية الخلف نفسها جزء من هذه المسيرة.
 
ومن المحال تصور أن مكونات عقل وروح الآدمي في عصرنا متطابقة في ك-ل بل–د أو كل مكان أو حتي في الأسرة الواحدة.. ولكن يوجد بالتأكيد قدر من التشابه المشترك بين عامة الخلق.. ومنه ومن تراكمه وثباته النسبي يتكون ما يعبر عنه بكلمة »التراث« أو تراث البشرية.. وتذكرنا لهذا التراث بانتظام يمنعنا من الاندفاع وراء مجازفات التمرد أو الثورة التي لا تنفك تراود في كل وقت فكر بعض الناس هنا وهناك.
 
ثم ليس في محاولة رؤيةٍ ما – ولو قاصرة – للمسيرة المذكورة.. ليس فيها هدم أو إلغاء لها.. لأن إعادة قراءة التاريخ علي أي وجه لا يمكن أن تلغي وقائعه ومعارفه وأفكار أهله ومصدقاتهم ولا تجاهل أنها في الواقع هي أساس الشطر الأعظم والأهم من حياتنا الآن كأفراد ومجاميع في مادياتها ومعنوياتها.
 
والوحدانية هي الأساس الأكبر والأهم للأديان السماوية الثلاثة وجوهر البناء الديني لكل منها.. تسود كتبها المقدسة وتعاليم رؤسائها ويدين بها مع إتباعها من الأفراد – القائمون علي خدمة الدين وخدمة معابده ومعاهده ومأثوراته وآثاره ومطبوعاته وفرقه وطوائفه وطقوسه وأزيائه.. وهي وحدانية رياسة عليا متفردة بالعالم كله.. خلفت كل شيء فيه، قادرة علي كل شيء، بيدها ملكوت كل شيء في الأرض و في السماء، وفي طاعتها مالا حصر له من الملائكة والأرواح والقديسين والأولياء والصديقين لا يعصون ويفعلون ما يؤمرون.. وهذه الوحدانية القاهرة الغامرة لا يكاد يوجد بينها وبين أب قبيلة الرعاة وربها – أي سبب جامع.. لكن وجد ويوجد بينها وبين قلب وعقل كل آدمي علاقة حميمة جداً مليئة بالصعوبات والمشاكل والإشكاليات، وينبغي ديانةً أن تُقابل بالتسليم والرضوخ والتفويض علي أن يفوز الصابر بالمثوبة وعظيم الأجر في الآخرة.
 
ويبدو والله تعالي أعلم – أن انتشار الأديان السماوية ووحدانية معبودها – يعود إلي فشل التعددية في كبح تتابع واتساع المظالم والفساد والإفساد، وتشوق العامة في شقائها الذي فاق الحد – تشوقها إلي من يبسط الرحمة والمساواة العادلة المستقيمة علي الجميع، ويحاسب الكل حساباً صارماً لا يتحامل ولا يجامل ولا يفلت منه كبير أو صغير ولو مات. وساعد علي ذلك اعتقاد الناس في أهمية الآدمي وتميزه وتميز أرضه، وأنه هو وأرضه سرة العالم بأسره يدور حوله كل ما يدور في العالم لمنفعة الآدمي وخدمة نوعه ولتمكينه من أن يكون خليفة فيه وعليه.
 
ومنذ القرن السابع عشر سار العلم الطبيعي بإصرار في طريق خاص – يبتعد ويزداد باستمرار ابتعاداً عن الاتصال بالدين الذي يبتعد هو الآخر عنه، ولم تصحب كتلة الناس العلم الطبيعي في طريقه، ومازالت كتلة الناس أقرب إلي الدين منها إلي طريق العلم الطبيعي برغم امتزاجها في معظم مساعيها بنواتج العلم الطبيعي في الصناعة والزارعة والطب والفلك والنقل والاتصال والفنون.. وهذا هو مصدر الوَهَن الملحوظ في تدَين كتلة الناس في أيامنا.. لأنها لا تستطيع أن تقاوم – عن طريق اللاوعي وحده – ضغط العلم الطبيعي والحضارة المبنية عليه – علي حياتها.. وبصفة خاصة ضغط مركبات الفضاء الكشفية ودقة المراصد وضبط المساحات التي لا يتصورها عقل الآدمي لاتساع العالم وكثرة وضخامة ما فيه مما هو قريب قرباً نسبياً إلي أرضنا التي تبلغ بالنسبة إليه حجم حبة الرمل أو أصغر! إن تقدم العلم الطبيعي الحديث وسعة نظرته وسعة الكون الهائلة التي كشفها بعنف لعيون الآدميين – كل ذلك قد هوّن قيمة الآدمي وقيمة ما بناه الآدمي وما عرفه وما سيعرفه في عين نفسه، ولم ينج من ذلك أديان الآدمي – بطبيعة الحال.. وهذه هي النتيجة الحتمية – لابتعاد الدين عن العلم الطبيعي – وابتعاد العلم الطبيعي عن الدين وانقسام عقول الناس ثم انقسام ضمائرهم تبعاً لذلك.
 

شارك الخبر مع أصدقائك