رجائى عطية

فى مدينة العـقاد 470 عبقرية الإمام 17

شارك الخبر مع أصدقائك

الخوارج الثلاثة وليلة 17 رمضان!

اجتمع عبد الرحمن بن ملجم والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمى، وهم من غلاة الخوارج الموتورين، فتذاكروا القتلى من فريقهم، وتذاكروا القتلى من المسلمين عامة، وألقوا وزر هذه الدماء كلها على ثلاثة من الكفار- أو أئمة الضلالة فى رأيهم- وهم: على بن أبى طالب، ومعاوية بن أبى سفيان، وعمرو بن العاص.

فقال ابن ملجم: «أنا أكفيكم على بن أبى طالب».

وقال البرك: «أنا أكفيكم معاوية بن أبى سفيان».

وقال عمرو بن بكر: «أنا أكفيكم عمرو بن العاص».

وقد اجتمع هؤلاء الثلاثة على حافزين؟

ضغينة الثأر وتهوس العقيدة.

وكان للمتآمرين الثلاثة قسط وافٍ من هذين الحافزين، يغنى عن مزيد من التحريض على القتل والانتقام..
ولكن المصادفة العجيبة هى التى شاءت أن تشحذ عزيمة ابن ملجم بحافز ثالث لعله يمضى حين ينبو هذان الحافزان الماضيان، وهو حافز من الغرام الظامئ لا يرويه إلا دم ذلك الشهيد الكريم.

أورد الأستاذ العقاد عن ابن ملجم، أنه كان يحب فتاة من تيم الرباب، قتل أبوها وأخوها وبعض أقربائها فى معركة الخوارج، وكانت توصف بالجمال الفائق والشكيمة القوية، وتدين بمذهب قومها فوق ما فى جوانحها من لوعة الحزن على ذويها، فلما خطبها ابن ملجم لم ترض به زوجًا إلا أن يشفى لوعتها. قال: «ما يشفيك ؟» قـالت: «ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة، وقتل علىّ بن أبى طالب».

قال: «أما قتل علىّ فلا أراك ذكرته لى وأنت تريديننى..»
قالت: «بل التمس غرته.. فإذا أصبت شفيت نفسك ونفسى ويهنأك العيش معى، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وزينتها وزينة أهلها».

وخرج الخوارج الثلاثة متواعدين إلى ليلة واحدة، يقتل كل منهم صاحبه فى ذلك الموعد.

* * *

وتفعل المقادير فعلتها، فينجو عمرو لأنه اشتكى مرضًا فى بطنه فى تلك الليلة، فلم يخرج لصلاة الفجر، وأمر «خارجة بن حذافة» قائد شرطته بأن يصلى بالناس، فضربه عمرو بن بكر وهو يظن أنه عمرو، فقتله.

وقال عمرو: أردتنى وأراد الله خارجة، وأمر بقتله.

أما معاوية فقد ضربه البرك بن عبد الله، وقد خرج الغداة للصلاة، ولكن الضربة جاءت فى إليته فنجا، وتداوى من الطعنة المسمومة، وأمر بالرجل فقتله لتـوه.

وأما على، فضربه بن ملجم فى جبينه بسيف مسموم، وهو خارج للصلاة، فمات بعد أيام وهو يحذر أولياء دمه من المثلة ويقول لهم: «يا بنى عبد المطلب.. لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون قتل أمير المؤمنين، قتل أمير المؤمنين.. ألا لا يقتلن أحد إلا قاتلى..».

«انظر يا حسن إن أنا مت من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة.. ولا تمثل بالرجل فإنى سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور».

* * *

ومهما قيل عن المصادفات وأسبابها، فإنها لا علة لها تقبل التعليل، بيد أن هذه الخاتمة الفاجعة تصور لنا البيعة كلها من قبل ابتدائها إلى ما بعد انتهائها، فيما وصفه الأستاذ العقاد بعبارات أوثر أن أنقلها إلى القارئ بنصها. قال:

«وذلك هو النسيج الإنسانى النابض الذى يتخلل حياة علىٍّ فى لحمتها وسداها، وفى تفصيل أجزائها وجملة فحواها، فما من حادثة من حوادث هذه الحياة النبيلة إلا وهى معرض حافل للعواطف الإنسانية برمتها، تلتقى فيه عوامل النخوة والشجاعة والوفاء والإيمان والسماحة، وتشتبك فيه مطامع الناس وأشواقهم وظواهرهم وخفاياهم.. وذلك الاشتباك الذى يخلقه الشعراء خلقًا فى القصص والملاحم، فلا يحكمونه بعض إحكام الواقع الملموس فى سيرة الإمام. وقد أسلفنا فى صدر هذا الكتاب أنها سيرة تلامس النفس الإنسانية فى شتى نواحيها: تلامسها من ناحية العقيدة كما تلامسها من ناحية العاطفة، ومن ناحية الفكر كناحية الخيال، ومن ناحية التمرد كناحية الولاء. فإذا اتبعت السيرة بالخاتمة، فأى خيط من خيوط تلك الشبكة الإنسانية التى تنسجها القرائح لاقتناص الشعور وتقريب الخيال تفقده فى هذه الخاتمة الفاجعة ؟ أى باعث من بواعث القصص الدامية بأحاسيسها ولواعجها لا يرتعد هنا ارتعادًا فى كل فصل من فصولها ومشهد من مشاهدها؟ يأس الكريم المغلوب وجرأة المحتال الغالب. وغرام المتهوس المجنون، وأريحية القتيل الموصى بمن اعتدى عليه، وحقد المرأة وخداع الجمال، وزيغ العقيدة، واستواء الإيمان، وفنون لا تحصى تجتمع من الشعور الموار واللهفة الدائمة فى خاتمة حياة تسع ألف حياة.»

* * *

«وهذه مزية علىٍّ بين خلفاء الإسلام قاطبة.. ينفرد بها لأنه انفرد بمثال من النفوس ومثال من العوارض الفردية والاجتماعية تؤلفه المصادفات فى الأجيال الطوال، ولا تحسن أن تؤلفه بمشيئتها فى كل جيل.
تلك حياة حى..
وذلك مصرع شهيد.»

رجائى عطية
Email: rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك