رجائى عطية

فى مدينة العـقاد (374) ما يقال عن الإسلام (7)

شارك الخبر مع أصدقائك

المسلمون السود فى أمريكا

منذ ثمانى سنوات، كتبت فى 6 أغسطس 2008، مقالاً نشر بجريدة المال، وأعدت نشره بالمجلد الأول من كتاب «من تراب الطريق» ( 2008 )، بعنوان «محمد الخولى: وترجماته» قلت فيه بالنص إنه من الأخطاء الشائعة التى تزاوج بعض الحركات السياسية أو الإصلاحية أو غيرها أنها تضن ببذل الجهد اللازم والضرورى لمعرفة وتصنيف الشرائح المختلفة نوعًا وفكرًا ومستوًى فى جمهور المخاطبين أو المتلقين.. فالانضواء العام فى ديانة أو حزب أو مذهب أو حركة أو إتجاه أو نشاط لا يعنى أن شرائح جميع المنضوين فى هذا أو تلك متطابقة متماثلة. قد يوجد التشابه فى الانتساب العام للفكرة أو المذهب أو ما شابه، ولكن بداخله تموج تفصيلات وجزئيات وتفريعات لا يجوز أخذها ككل، والتعامل معها ككتلة جامدة لا تضاعيف فيها!

هذا الأخذ العام، بلا فحص ولا تدقيق، يجافى الفطنة مثلما يخالف المبادئ العلمية التى على قدر اجتهادها فى الفرز والتصنيف، على قدر ما يصيب البحث والنشاط أو يخفق!

حضرتنى هذه الخواطر وأنا أطالع الكتاب القيم الذى ترجمه للمجلس الأعلى للثقافة الصديق الإعلامـى الكاتـب القدير الأستاذ محمد الخولى.

 عنوانه بالإنجليزية Islam in America وترجمه بعنوان: «الإسلام والمسلمون فى أمريكا». تأليف جين سميث.

يستمد الكتاب قيمته كما يقول المترجم من واقع صدوره ضمن سلسلة التعريف بالأديان الكبرى فى أمريكا المعاصرة، وإقرارًا كما يقول ناشر النسخة الإنجليزية بأن الإسلام عقيدة تدين بها واحدة من أسرع الجماعات الدينية نموًا فى أمريكا.

ومع أن المؤلفة أمريكية تدين بالمسيحية، فإنها لم تأخذ الإسلام والمسلمين فى أمريكا المعاصرة على الجملة، ولم تترك مجالاً للبحث والفرز والتبويب والتصنيف إلاّ طرقته بجدية وصبر، لترسم الصورة الواقعية للإسلام والمسلمين فى أمريكا بكل أبعادها ورتوشها وتنوعاتها وجذورها منذ بداية الدخول إلى القارة الأمريكية، وعبر المراحل المتتالية بدءًا بحركة الاسترقاق التى اقترنت بالاصطياد من سواحل أفريقيا الغربية وتجارة العبيد، وأشغالهم فى مزارع الشقاء، بينما كان الإسلام نفسه هو القوة الدافقة التى خرجت بهم من هذه الشرنقة ليلتقى المسلمون مع وافدين جدد، ومع من اعتنقوا الإسلام عن اقتناع من بين الأمريكيين والغربيين بعامة.

لا تهمل المؤلفة تقصى «التعددية» بداخل المجتمع الإسلامى اليوم فى أمريكا. تقدم لبحثها بعبارة «ورمسر» فى كتاب: الإسلام الأمريكى: «يتألف المجتمع الإسلامى الأمريكى اليوم مـن أفـراد جاءوا مـن خليـط عرقى ومهنى واسع النطاق، وسواء كانوا «وافديـن» «بالهجرة» أو أمريكيين «بالأصل» أو«متحولين» إلى الدين، فثمة وشيجة واحدة تربطهم جميعا وتتمثل فى التجربة الفريدة التى تحمل اسم الإسلام.

وسواء كانوا أطباء أو محامين أو مقاولين أو أساتذة، أو كانوا طباخين أو عمالاً فى الصناعة فإنهم يسدون مساهمة إلى مستقبل أمريكا».

من هذا المنظور الواسع، الذى يهتم بالتنوع بداخل التجمع، وبالتعدد فى إطار الكل، جرت فصول ومباحث الكتاب الضافى الذى ترجمه لنا الأستاذ محمد الخولى ووضعته البروفيسور جين سميث أستاذة الدراسات الإسلامية فى مجمّع هارتفورت العلمى، ووضعت وشاركت فى وضع مؤلفات إسلامية بارزة، مثل كتابها هذا: «الإسلام والمسلمون فى أمريكا» الذى ضم دراسة استقصائية شاملة عرفت بالمسلمين فى الولايات المتحدة فى بحوث قيمة وموضوعية ومنصفة أتاحت لأصوات المسلمين أن ترتفع لتطرح القضايا التى تواجههم فى أمريكا المعاصرة.
هذه ترجمة رفيعة لكتاب جدير بالترجمة، تتنقل فى براعة وموضوعية من الإسلام: العقيدة والشريعة، إلى الذين ساهموا فى انتشار الإسلام، ثم كيف أتى إلى أمريكا، ووضعية هذا الدين فى المجتمع الأفرو أمريكى، وشئون المرأة والأسرة الأمريكية المسلمة، وحياة المسلم فى المجتمع الأمريكى وفى الحياة العامة، والتطلع إلى المستقبل، فضلا عن ملامح سير شخصية لمسلمين أمريكيين مرموقين. ظنى أنه لا غنى لكل مهتم بالشأن الإسلامى بعامة وفى أمريكا والغرب بخاصة عن الاطلاع على هذا الكتاب القيم.

* * *

وهذه المقدمة واجبة لإعطاء الأستاذ العقاد حقه فيما تناوله من مؤلفات أجنبية لم تكن آنذاك مترجمة حين صدر كتاب «ما يقال عن الإسلام» سنة 1963، أو حين كتب قبل ذلك مقاله الضافى، بعنوان «المسلمون السود فى أمريكا»، وهو ذات عنوان الكتاب الذى يعلق عليه، ومؤلفه قس أمريكى من السود، اسمه «أريك لنكولن» ينتمى إلى الطائفة المسيحية التى تعرف باسم المنهجيين أو «الميثوديين Methodists»، ويدرس الفلسفة الاجتماعية بإحدى كليات «أتلانتا»، ويكاد يتخصص فيما قال الأستاذ العقاد للدراسات التى تتعلق بمذاهب السود فى القارتين الأمريكيتين الشمالية والجنوبية.

ويشهد الأستاذ العقاد للكتاب بأنه شمل بيانًا وافيًا عن الحركات الإسلامية المعاصرة بأمريكا الشمالية منذ سنة (1930) إلى اليوم، ويشهد لمؤلف الكتاب أن طريقته فى وصف حركة الدعوة الإسلامية بين السود الأمريكيين تدل على عناية بالصدق قى تحرى الوقائع ومصادر الأخبار، فهو فيما عدا بعض العقائد التى ينسبها إلى السود المسلمين ويستبعد أن يدين بها أحد ينتمى إلى الإسلام لم يذكر خبرًا من الأخبار التاريخية يثير الريبة فى نية التحقيق عنده.

ولا يرى الأستاذ العقاد غرابة فى حرص القس الأمريكى الدكتور «أريك لنكولن» على تحقيق أخباره عن حركة كبيرة لأبناء قومه فى بلاده، لأنه لا يستطيع أن يتنكر لشعوره بقرابته الحميمة لمن يكتب عنهم وإنْ كان على عقيدة غير عقيدتهم، وربما كان انتماؤه لطائفة «الميثوديين» المسيحية، سببًا آخر من أسباب صدقه فى وصف عيوب المجتمع الغربى، وهو يبدى ويستشهد على كلامه بكلام المؤرخ الكبير «توينبى» أن السود شعروا بخيبة الرجاء حين دانوا بمذهب من المذاهب المسيحية ثم وجدوا أن وحدة الدين مع البيض لم تغن عنهم شيئًا لدفع المهانة والتمييز المجحف عنهم.

ويتراءى أيضًا للقارئ من بين سطور الكتاب، سبب أو اعتذار آخر عن إخفاق المبشرين السود فى ضم أبناء قومهم إلى زمرتهم بالمسيحية، فلا يخفى المؤلف ملاحظته أن رؤساء الكنائس يترفعون عن قبول الشذاذ والوضعاء وذوى الشبهات بين أتباع كنائسهم، بينما نجحت الدعوة الإسلامية نجاحًا تامًا فى إصلاح هؤلاء المنبوذين بعد امتزاجهم بالبيئة الإسلامية.

ولا يخفى القس الأمريكى المؤلف، إعجابه باقتدار الدعاة الإسلاميين على تعويد أتباعهم، بعد فترة وجيزة، أن يستقيموا على حياة العفة والورع، بعد أن كانوا قبل ذلك من مدمنى السكر والمخدرات، ومقارفى الشهوات، والتماس الكسب بالمحرمات والموبقات!

ويشهد القس الأمريكى المؤلف لمؤسس الدعوة «فراج محمد» بحسن تدبيره لأمر الدعوة وتنظيم برنامجها واتباع الخطة المجدية فى التوجيه وحفظ الدعوة على سوائها.

ويذكر عنه المؤلف أنه لم يلفت نظر أحد حين حضر إلى «ديترويت» حوالى سنة (1930 م)، وكان يحترف بيع الملابس والمنسوجات، وبدأت الأنظار تتجه إليه بعد افتتاحه البيت الأول للوعظ والصلاة، وبدأ بعدها ولاة الأمور فى التنقيب عن أصله والمكان الذى أقبل منه، فلم يصلوا إلى يقين، ونسبه البعض إلى مكة، والبعض إلى فلسطين، ويقول آخرون إنه من الأفارقة التابعين للدولة التركية، إلى غير ذلك من الأقاويل.

وعندما احتجب «فراج محمد» عن مقر الدعوة بمدينة «ديترويت»، كان احتجابه أغرب من ظهوره، ودارت حول ذلك الأقاويل والظنون، وأناب عنه أكبر مريديه السيد «محمد إيليا»، وقيل عن أسباب احتجابه أقاويل عديدة.

وقد وافقت هذه الدعوة «المحلية» أخرى عالمية من قبل الآسيويين والأفريقيين، ولم يكن لها شعار غير الثورة على دعوى الرجل الأبيض فى حق السيادة على الأمم الصفراء والسمراء وغير البيضاء على الإجمال، وقد تولدت عن الكراهية كراهية، وعداوة متبادلة بين السود والبيض.

ويرى القارئ فيما يقول الأستاذ العقاد أن حديث المؤلف عن الأقليات غلب عليه الصدق والإنصاف، ولعل ذلك أنه من أتباع الكنيسة المنهجية ( Methdist ) التى تعتبر نفسها من الأقليات الصغيرة بين الكنائس الغربية.

ويدرك القارئ من المقارنات العديدة التى تحراها المؤلف، أن السود المسلمين فى موقف خاص مع الأمريكيين السود والبيض على السواء، وهو ما لاحظناه بوضوح بعد عدة سنوات عندما أعلن بطل العالم محمد على كلاى إسلامه، فطورد من هؤلاء وأولاء حتى فرض فى النهاية كلمته.

ومع أن اليهود قلة فى الولايات المتحدة، إلاَّ أنهم لم يعانوا بل العكس تمامًا الحيرة التى عاناها المسلمون السود وباقى الأقليات الوطنية فى كافة المجامع المشتركة.

وفضلاً عن ذلك، فليست للأمريكى الأسود عصمة ثقافية يأوى إليها إذا اضطره النفور منه إلى اعتزال المجتمع، أو الانطواء على نفسه، ولكن هؤلاء وجدوا لهم ملاذًا ثقافيًّا يعتصمون به حيث وجدوا فى المجتمع الإسلامى ثقافة روحية تعوضهم عن ثقافة الأكثرية الغالبة.

من خمسين عامًا تساءل الأستاذ العقاد وهو يعرض لهذا الكتاب، ما مصير المواجهة المفروضة على المسلمين الأمريكيين السود فى أمريكا، وماذا يمكن أن يكون موقف المسلم الأسود إذا اعتصم بمجتمعه الإسلامى إزاء المجتمع الأكبر: مجتمع الأمة الأمريكية، أو الدولة الأمريكية فى النطاق الأوسع ؟ لقد كان زعيم الدعوة الإسلامية فى الولايات المتحدة يستنهض السود بنخوة القومية والعصبية للاستقلال بعقائدهم وعواطفهم عن الأكثـرية البيض.

ومنذ طرح الأستاذ العقاد هذا التساؤلات، جرت مياه فى النهر، وكان المشهد الأخير لتشييع جثمان ودفن «محمد على كلاى» الذى شيعه رئيسان أمريكيان سابقان، وملوك ورؤساء، دليلاً على أن أمورًا كثيرة تغيرت، وأن التصميم الذى التزم به من أسلموا قد فرض كلمته فى النهاية، بل وزاد عدد المسلمين كثيرًا فى الولايات المتحدة، وبرغم الحملة الواسعة التى شنت عليهم وعلى الإسلام فى أعقاب تفجير برجى مركز التجارة العالمى فى نيويورك فى سبتمبر عام 2001.

ولعل أهم ما ختم به الأستاذ العقاد مقاله، أنه يبدو من سطور كتاب الدكتور القس الأمريكى الأسود، أن تحويل الدعوة الإسلامية من حركة مقصورة على السود إلى حركة تفتح ذراعيها للسود والبيض من الأمريكيين وغير الأمريكيين، قد صارت موضع اهتمام كبير فى دوائر التبشير. وقد صادفنى شخصيًا بعد نحو خمسين عامًا مما كتبه الأستاذ العقاد، إحصائيات حديثة أشــرت إليها فى موضع آخــر بمناسبة مقــال «بل نور الهداية وسلامة اليقين» (2006)، دلت على أن الإسلام قد ازداد انتشارًا وقوة فى أمريكا، حتى اعتبرته المعاهد البحثية المسيحية أقوى التهديدات للكنيسة الأمريكية، وأن المؤشرات تورى بأن انتشاره تسارع فى الولايات المتحدة فى السنوات العشرين الأخيرة، حتى زاد على السبعة ملايين مسلم، بلا إرساليات وبلا حملات تبشير، ورغم الحملات الشديدة ضده!

رجائى عطية
Email: rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك