رجائى عطية

فى مدينة العـقاد (373).. ما يقال عن الإسلام (6)

شارك الخبر مع أصدقائك

أفريقيا الجديدة

هذا كتاب كان يجدر أن يصدر عن أحد المسلمين المهتمين بالإسلام ومستقبله والمسلمين فى أفريقيا، والذى وضع هذا الكتاب صحفى أمريكى يكتب عن الرحلات بأسلوب الصحافة.

وقد تعقب فى الكتاب عراقة تاريخ الإسلام فى القارة، وعمق أثره بين قبائلها وشعوبها، ورأى أنه أعرق وأثبت فى القارة من أن تعوقه عوائق التبشير أو المقاومة السياسية عن الانطلاق فى أرجاء القارة. وقد عاصرت شخصيًا ما يؤيد مكانة الإسلام بعامة والأزهر بخاصة فى القارة، من خلال ما يعرض على مجمع البحوث الإسلامية الذى أشارك فى عضويته من نحو عشر سنوات، وقد زاد الصحفى الأمريكى على تقرير مكانة الإسلام فى أفريقيا، إيراد جملة إحصائيات ببيان موجز عن مشكلات المسلمين فى بلاد القارة بعد استقلالها أخيرًا.

ومن المشكلات التى أومأ إليها، أن الحماسة للعقيدة الإسلامية يشوبها أحيانا- وقد لمسنا ذلك بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر جهل المسلمين البدائيين بفرائض الإسلام واحتفاظهم ببعض أساطير الوثنية الأولى، وإن كان يحسب للأزهر الآن أنه يوالى إرسال بعوثه إلى بلدان القارة، وإن كان دعمهم لا يزال مطلوبًا بتزويدهم بالمزيد من العلوم والتجارب العصرية والمكلفات العملية التى تسهم فى الانصهار مع أبناء القارة فى تقديم العون الطبى والعلاجى والوقائى والتعليمى لهم، وفى شتى المجالات الأخرى.

وكلام المؤلف عن المدارس الإسلامية التى لا تزال قليلة العدد إزاء التغطية الواجبة للمدارس التى أغلقت فى أعالى النيل وأواسط القارة، ولا يخفى أنه لقى فى بعض تلك البلاد سخطًا على تقصير حكوماتهم فى الاستجابة لآمالهم فى تلقى معونة جيرانهم المسلمين، وأسفهم على ما يلقاه المسلمون والإسلام من مقاومة.

وتطرق الصحفى الأمريكى مؤلف هذا الكتاب، إلى ملاحظاته عن مسلمى الصحراء المحافظين المتشددين، الذين ينظرون بشئ من الريبة إلى مسلمى الحواضر، واحتيال الفرنسيين على تعليم هؤلاء «الصحراويين» فى غير المدارس النظامية التى يستريبون فيها، بغرض شدهم إلى المسيحية بدلاً من الإسلام.

ويرى المؤلف أن من أسباب قوة الإسلام بين قبائل «الهوسا» إلى الجنوب من بلاد المغرب الأقصى أن الشعائر الإسلامية قد أصبحت عندهم «طريقة حياة»، كما تحدث عن إقبال المسلمين الأفارقة على تلقى دروس الدين من الأزهر، وأنا شاهد شخصيًا على ذلك.

وقبل أن يختم الأستاذ العقاد حديثه عن هذا الكتاب، ينبه إلى موضعين فيه ينبغى الاهتمام بهما : هما موضع «تسجيلاته وتبليغاته» عن تاريخ الإسلام فى جوار الحبشة، وعن مساعى الصهيونية فى القارة. وظنى أننا لو تلقينا هذه الإشارة العقادية بالاهتمام فى حينها فى أول ستينات القرن الماضى، لربما تجنبنا كثيرًا مما صرنا نلاقيه من سد النهضة ومشروعات أثيوبيا الضارة بحقوقنا فى نهر النيل مصدر الحياة فى بلادنا.

دور الإسلام فى مستقبل القارة الأفريقية

من متابعاته الواسعة، يبدى الأستاذ العقاد تحت هذا العنوان، أن للإسلام حصة بارزة فى كل كتاب حديث كان يصدر فى تلك الأثناء من المطابع الأوروبية أو الأمريكية عن القارة الأفريقية، وقد تنوعت موضوعات هذه الكتب وتنوعت معها وجهة البحث فى المسائل الإسلامية.

ويرصد الأستاذ العقاد أنه فى السنوات العشر الأولى منذ ابتداء العناية بالقارة الأفريقية، كانت معظم الإصدارات تتجه إلى الإحصاء وجمع المعلومات العامة عن السكان والموارد ومصادر الثروة وتقسيمات المواقع والظواهر الجغرافية والاستعمارية.

ولما بدأت تظهر فكرة الاستقلال الوطنى، أصبح الاهتمام باستقصاء إرادة الأفريقيين حكامًا ومحكومين، وصارت إرادة الأجنبى تبعًا للإرادة الوطنية فى تحصيل المعلومات والتعليق عليها بعد قيام الحكومات المستقلة وتركيز السلطة فيها على العوامل النفسية والاجتماعية. وقد أسفر هذا التحول عن اتجاهين فى التأليف:

أولا: دور الإسلام المنتظر فى إقامة نظم الحكم بعد الاستقلال.

ثانيا: معنى وأثر انتشار الإسلام- قديمًا وحديثًا بين الأفريقيين باعتباره حركة من حركات التاريخ، والاستطراد من ذلك إلى استطلاع مصير هذه الحركة بين حركات الحضارات العصرية.

ويشير الأستاذ العقاد من واقع مطالعاته، أن المؤلفين مالوا فى أكثر من بحث هام إلى ترجيح فرص الإسلام فى القارة على فرص العقائد الأخرى- دينية كانت أو اجتماعية.

ومن اللافت إحاطة الأستاذ العقاد الشاملة بكثير من تلك المؤلفات، ليس فى وسعى فى إطار الحيز هنا، إلاَّ الإشارة إليها والتعريف الموجز بها.

فى كتاب أفريقيا الاستوائية، وهو كتاب ضخم فى مجلدين زادا على الألف صفحة، يتحدث الأستاذ جورج كمبل Kimble رئيس قسم الجغرافيا بجامعة انديانا عن تشككه فى فرصة الأنظمة الغربية الساعية فى القارة، والفرصة الأفضل للإسلام بحكم تسليمه لمواضع الضعف الإنسانى وإغفائه عن فوارق اللون وبساطة عقائده بالقياس إلى الكهنوتية المعقدة فى المسيحية الغربية.

وكتاب ضخم آخر عن «سيراليون»، تأليف كريستوفر فايف Cristopher Fyfe يتناول تعاليم البحوث التبشيرية المسيحية، ويقرر أنها على خلاف تعاليم الإسلام تهدم الاستقلال الذاتى فى الأفريقى وتعطل تصرفه المطبوع، ويقترح «بلايدين» حلولاً لعلاج تراجع هذه البحوث أمام فرص الإسلام والمسلمين.

بينما يرى باتين Batten فى سلسلة كتبه عن أواسط أفريقيا، أن انتشار الإسلام بين الأفريقيين إنما هو نتيجة لا محيد عنها لحضارة إنسانية ممتازة لا تقوى حضارة أخرى على مغالبتها، وأن وصول الإسلام للقارة الأفريقية تزامن مع وصوله للقارة الأوروبية نفسها وامتداده إلى الأقطار البعيدة فى القارة الآسيوية، وهو يرى أن مثل هذه الحضارة الإسلامية لا سبيل إلى حصرها فى بقعة محدودة من العالم بسبب جلد العربى واحتماله الجهد والخطر مع الرغبة فى الرحلة والارتياد.

ومن أحدث المؤلفات التى يرصدها الأستاذ العقاد عن أفريقيا والإسلام، كتاب موجز لتاريخ القارة ألفه كاتبان لهما خبرة حسنة بالشرق عن طريق الدراسة والسياحة، هما «رولاند أوليفر» و«جورن فاج Fage»، وهما يفصلان فى الكتاب بين دور الفتح الإسلامى ودور التغلغل الإسلامى إلى مجاهل القارة، ويريان فرصة الإسلام المتزايدة بسبب اشتمال حضارته عن غيرها- على ثمرات الفكر والفن والعلم والسياسة، مما أتاح للإسلام مزيدًا من الاستقرار هناك برغم انحلال الدول الإسلامية القوية.

أما «جاك بولن Bulin»، فيتخطى مراحل الماضى فى كتابه عن «دور العرب فى أفريقيا»- ليسأل عن دور الإسلام فى المستقبل القريب بالقارة بين القوى التى يمكن أن تعمل فى توجيهها، وهى قوة التبشير والقوة الوطنية غير الإسلامية.

ويقول هذا المؤلف، وهو صحفى فرنسى يعرف العربية والانجليزية، إن الكنائس تتغاضى هناك عن الإسلام ولا تشتد فى مقاومته لأنها حذرها الأول من الشيوعية، ولهذا لم تعقب صحيفة الفاتيكان بشئ على البيان الصريح الذى أعلن فيه شيخ الأزهر فى مستهل سنة 1961 وجوب التصدى للبعثات التبشيرية لأنها من أخطر أدوات الاستعمار.

وظنى أن ما بذله الأستاذ العقاد من جهود مخلصة فى عرض هذه المؤلفات والأحوال فى الأزهر، بمقالاته المتتابعة التى نشرت فى أول الستينات فى مجلة الأزهر، قد أتاح للأزهر الشريف إطلالة واجبة للقيام بمهمة الإسلامية فى ربوع وجينات القارة الأفريقية.

Email: rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »