فى مدينة العـقاد (372) ما يقال عن الإسلام (5)

شارك الخبر مع أصدقائك

خطأ المقارنين لا خطأ المقارنة

وفى تتبعه لما يجرى فى العالم حول الإسلام، تصدى الأستاذ العقاد لدراسة للأستاذ سوندرز Saunders أستاذ التاريخ بجامعة كانتربرى، الذى انتدبته للكتابه عن تاريخ عمر بن الخطاب مجلة كبرى تصدر بالإنجليزية بعنوان « التاريخ اليوم History Today » ونشرت المجلة دراسة تحت عنوان « الخليفة عمر المستعمر العربى! »، يخرج منها القارئ بنتيجة من أغرب النتائج الضالة عن الدعوة المحمدية والدولة الإسلامية.

وقد أفاض الأستاذ العقاد فى بيان عناصر جهل المؤرخ بالموضوع الذى تصدى له، وحسبته المجلة المتخصصة أهلاً للحديث فيه والاعتماد عليه، فَضَلَّ ضلالاً بعيدًا، وحاول أن يغطى جهله بالنصوص والحقائق باصطناع الدقة العلمية والرجوع إلى أسانيد غيره مثل كايتانى ولامنسى فى استقصاء أخبار الرسائل النبوية إلى هرقل وكسرى والمقوقس والنجاشى، فوقع فى أخطاء فادحة، تحوم شبهة حول أغراضها فى التخديم على الأغـراض الإسرائيلية فى فلسطين، حيث تصدر عدد مارس للمجلة الذى نشرت به الدراسة الضالة بعنوان « الخليفة المستعمر »، صورة بالصفحة الأولى للنبى « موسى واضع الشريعة »، ودارت أخباره كلها بالمجلة على « تأصيل » علاقة العبريين بفلسطين من عهد إبراهيم الخليل، ثم على تسويغ هذه العلاقة بهجرة العبريين من مظالم وادى النيل إلى أرض الميعاد!

والخطأ الذى يكشفه الأستاذ العقاد هو خطأ هؤلاء المقارنين أصحاب الأغراض، لا خطأ المقارنة التى لو استوفت عناصرها وحقائقها لما ذهبت إلى شىء مما يصطنعه هؤلاء.

ومن أخطاء المقارنين، الأخذ بالظاهر فى مقارنة بولس بعمر بن الخطاب، مع أنه لا موضع أصلاً للمقارنة، فقد كان بولس فى مبدأ سيرته من أشد أعداء المسيحية، ولم يقابل المسيح قط، والتحق بالمسيحية لاحقًا، بينما كان عمر بن الخطاب غرس النبوة المحمدية التى لحق بها وأسلم وصاحب النبى عليه السلام وتلقى عنه، ما يقرب من خمس عشرة سنة.

وقد جهل المقارنون أن النبى محمدًا عليه السلام كان يدعو للإسلام العرب وغير العرب، ويخاطب بنى إسرائيل برسالته كما خاطب بها المهاجرين والأنصار، وأن رسالته وبنصوص القرآن رسالة للعالمين شاملة الناس كافة.

أما بولس الداخل فى المسيحية بعد سنوات من رفع السيد المسيح، فإنه لم يخاطب الأميين إلاَّ بعد أن يئس من خطاب بنى إسرائيل، والذين أعنتوا من قبله السيد المسيح عليه السلام، الذى نُقل عنه أنه بعث « لهداية خراف بيت إسرائيل الضالة ».. وأنه لم يتجه إلى غيرهم إلاَّ بعد أن قاوموه وصدوه وأعيوه وأعرضوا عن وليمته فدعا إليها الغرباء.

وحين نفهم هذا، نفهم الفرق بين دعوة بولس ودعوة عمر، فلم يكن بوسع بولس أن يدعو اليونان والرومان إلى المسيحية لأن السيد المسيح قد بعث لخلاص بنى إسرائيل منهم، وأن الأمم الأخرى لا يحق لها أن تطمع فى « الخلاص » بهذه الرسالة التى يدعوهم إليها.

ولم تكن خطة الخليفة عمر، ولا الصديق الخليفة الأول، إلاَّ نشر الدعوة كما تلقياها من محمد عليه الصلاة والسلام، المبعوث رحمة للعالمين، وإلى الناس كافة.

ومن هنا كانت المقابلة أو المقارنة، بلا وجه، وقائمة على جهل، فضلا عن دخول الأغراض التى تجاهلت فيما تجاهلته أن الإسلام دخل فلسطين كما دخل غيرها على سنة الهداية إلى رب العالمين، وبعد عناد بنى إسرائيل الذين تنكروا لكل نبى من ذرية إبراهيم، من قبل موسى وهارون، إلى ما بعد عيسى والحواريين.

الإسلام فى التاريخ الحديث

وهذا بدوره عنوان لكتاب آخر ألفه «ولفريد كانتويل سميث» أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة «مونتريال»، وقد أقام زمنا فى لاهور بباكستان وساح فى بلاد الشرق الأوسط وبعض البلاد الإسلامية فى القارتين الآسيوية والأفريقية، واشتمل كتابه على فصول مسهبة عن الهند وباكستان وتركيا والبلاد العربية، وبعرض موجز لبعض الأمم الإسلامية الأخرى.

ويقر المؤلف بأنه ما من دين استطاع أن يوحى إلى المتدين به شعورًا بالعزة كالشعور الذى يخامر المسلم فى غير تكلف ولا اصطناع، وأنه يوجد بين المسلم المعاصر وسائر المعاصرين من الغربيين فارق عميق فى النظر إلى العالم وإلى المستقبل، فالأمريكى والغربى يواجه المستقبل بتجارب الحاضر ويغلب القيمة الواقعية العملية، ولكن المسلم ينظر إلى المستقبل ليقيمه على أساس من الماضى المجرد، وفى سعيه إلى الغد لا يفوته الالتفات إلى الأمس البعيد، دون كراهة للتقدم ومسايرة الزمن على ما تقتضيه الحضارة الحديثة.

ولكن المؤلف يقرر أن جنوح المسلم إلى مسايرة الحضارة الحديثة لا يزال مصحوبًا بكثير من التحفظ والحذر فى علاقته بأصحاب الحضارة، لأنه لا ينسى ما أخضعوه له من أواسط القرن الماضى واقتحامهم لبلاده واستعمارها ضد إرادتها الوطنية، ثم هو يحس بأن الأوروبى يميز فى المعاملة بينه وبين أصحاب الديانات الأخرى حتى ولو لم يكونوا من المسيحيين..

ويبدى المؤلف أنه يعتقد أن الغربى لا يفهم الإسلام حق فهمه، وأنه لن يفهمه إلاَّ إذا أدرك أنه أسلوب حياة تصطبغ به معيشة المسلم وليس مجرد أفكار وعقائد.

ومن اللافت الذى يطلعنا عليه الأستاذ العقاد، أن هذا المؤلف تطرق إلى رواد النهضة الإسلامية الحديثة، وإلى مستقبل هذه الحركة الإصلاحية، وتناول مجلة الأزهر التى كانت تصدر أولاً باسم نور الإسلام، وقد عاصرت شخصيًا كيف عنى الإمام الأكبر الدكتور سيد طنطاوى الذى كان يحتفظ بكافة أعداد هذا المجلة بمقالاتها، وظل ييسر إعادة نشرها تباعًا فى جريدة صوت الأزهر.

وشمل تعرض المؤلف لمجلة الأزهر، الحديث عن الشيخ خضر حسين ومنهجه، وعن الأستاذ محمد فريد وجدى الذى ظل يشرف على تحريرها إلى سنة 1954 ؛ وجعل المؤلف يعقد مقابلة بين منهج الشيخ الخضر ومنهج الأستاذ وجدى.

ومع ما أبداه الأستاذ العقاد من أن المقام لا يتسع لشرح التعليقات التى عقب بها « لفريد كانتويل سميث » على أحوال الإسلام فى الباكستان والهند والبلاد التركية والإيرانية وسائر الأمم الإسلامية، فإنه لا ينبغى أن يفوت أن الإطلاع على هذه وتلك والنظر فيها لا يزال مهمة مطلوبة يُحسب للأستاذ العقاد أن تابعها ولفت أنظارنا إليها.

رجائى عطية
Email: [email protected]
www.ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك