رجائى عطية

فى مدينة العـقاد (282).. التفكير فريضة إسلامية (10)

شارك الخبر مع أصدقائك

الاجتهاد فى الدين
دخل الأستاذ العقاد إلى هذا الميدان بتعداد مصادر الشرع والأحكام فى الدين الإسلامى، فأبدى أنها: الكتاب، والسنة، والإجماع.
وأبدى أن الإجماع يقوم على اجتهاد أولى الأمر وأهل الذكر بما اشتمل عليه من قياس واستحسان أو مصالح مرسلة، أى مصالح لم تتقيد فيما يقول بحكم خاص ينطبق عليها فى جميع الأحوال وجميع الأزمنة.
ولا مراء أن الترتيب الذى أورده للمصادر الشرعية هو الصحيح المتفق مع آراء الفقهاء وكتب أصول الفقه وإن كانت هناك مصادر أخرى للتشريع بعد هذه المصادر، ولكنه أدمج بعد ذلك مصادر التشريع ووسائل الاستنباط، فاعتبر أن وسيلة الإجماع فى الاجتهاد هى القياس والاستحسان والمصالح المرسلة، وهذا صحيح، ولكنه ليس الصحيح كله.. فالوسائل الثلاثة التى ذكرها للاجتهاد لتحصيل الإجماع، هى بالفعل من وسائل الاجتهاد واستنباط الأحكام، معدودة أيضًا من مصادر التشريع، هذا إلى أن هذه الوسائل كما هى أدوات الاجتهاد لتحصيل الإجماع، فإنها أيضًا أدوات استنباط الأحكام من كل من الكتاب والسنة المصدرين الأول والثانى للتشريع.
والمتفق عليه بين جمهور الفقهاء، أن مصادر التشريع الإسلامى هى: القرآن، والسنة، والإجماع، وفتوى الصحابى، والقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، والعرف فيما لا يخالف النص، والذرائع، والاستصحاب، ثم شرع فيما لا يخالف الإسلام.
ومن هذه المصادر، بعد الكتاب والسنة والإجماع، ما هو معدود فى ذات الوقت من مصادر الاجتهاد، للتعرف على الأحكام الشرعية فى الإسلام.
ولا مراء فى أن القرآن الكريم هو أول مصادر التشريع، تليه السنة النبوية القولية والفعلية والتقريرية، وأن استنباط الأحكام من القرآن والسنة، باب واسع للمجتهد فيه أدوات من اللغة ومعانى الألفاظ، وطرق للاستدلال والتأويل، وإذا كان الإجماع على رأس قائمة المصادر الشرعية بعد القرآن والسنة، فى قوة الاحتجاج به، ويسبق فتوى الصحابى، والقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، والعرف، والذرائع، والاستصحاب، وشرع ما قبل الإسلام فيما لا يخالفه، وأن هذا الإجماع هو محصلة اجتهاد باستعمال طرق ووسائل الاستدلال لاستنباط الأحكام من قياس وغيره، فإن باقى ما يلى الإجماع معدود ولا شك من وسائل الاجتهاد والاستنباط والتأويل، ولكن قد يتوفر له فى جزئية ما من توالى الاستخلاص واتفاق التأويل، ما تتكون به قاعدة شرعية تحسب ضمن مصادر التشريع الإسلامى.
ففتوى الصحابى، قد تكون ثمرة اجتهاد استخدم فيه القياس، ولكن هذه الفتوى بما تضمنته تصير من مصادر التشريع، تالية للإجماع، وأولوية فتوى الصحابى كمصدر للتشريع مستمدة من مصاحبة النبى ﷺ وتلقى الرسالة والسماع عنه والإلمام بأسباب ومناسبات التنزيل، ومن ثم صارت لفتاوى الصحابة حجة مستمدة من هذه العناصر.
ولاشك أن القياس فى الأصل وسيلة تفسير واستنباط، وهو لدى الأصوليين بيان حكم غير منصوص على حكمه بإلحاقه بأمر معلوم حكمه بالنص عليه فى الكتاب أو السنة، ويعرّفونه أيضًا بأنه إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه للاشتراك بينهما فى علة الحكم، وبهذا القياس تكونت فى بعض الحالات قواعد صارت معدودة من مصادر التشريع، كإعطاء الجد حكم الأب فى الميراث، وقياس حد الشرب على حد القذف باعتبار أن الشرب يؤدى إليه. فهنا كان القياس وسيلة تأويل واستنباط، ولكن محصلته صارت فى بعض الحالات من مصادر التشريع.
والاستحسان من عناصر قدرة الإسلام على مواكبة الحياة ومن ثم ثراء مصادر الفقه فيه، وهو يعنى فى اصطلاح الأصوليين عدول المجتهد عن مقتضى قياس جلىّ إلى مقتضى قياس خفى، أو عن حكم كلى إلى حكم استثنائى لدليل انقدح فى عقله رجح لديه هذا العدول، وعنه قال الإمام مالك إنه تسعة أعشار العلم، وقد أنتج الاستحسان كوسيلة استنباط- قواعد صارت حجة بذاتها كمصدر للفقه، كاستحسان صحة عقد الاستصناع لانعقاد الإجماع على غير ما يؤدى إليه القياس من إيجاب إبطاله باعتبار أن محل العقد كان معدومًا وقت إنشاء العقد، وهنا تساند الاستحسان كوسيلة استنباط وتأويل، مع الإجماع، فشكلا معًا قاعدة صارت من قواعد أو مصادر التشريع. على إنه من الحق أيضًا، أن الاستحسان ليس مصدرًا تشريعيًا مستقًلا، لأنه فى الواقع طريقة للاستخلاص والاستدلال من المصادر التشريعية الموجودة.
وتقترب المصالح المرسلة من تكييف الاستحسان، فى أنها من مصادر الاجتهاد للتعرف على الأحكام الشرعية فى الإسلام، وليس مصدرًا قائمًا بذاته من مصادر التشريع.
على أن الأمر يختلف بالنسبة للعرف، والمقصود به ما تعارف عليه الناس وأقروه، وفى الحديث النبوى: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن». والعرف معدود بذاته من الأدلة الشرعية عند الفقهاء، واليه الاحتكام فى كثير من أحكام الفقه الفرعية، سواء فى ذلك العرف العملى أو العرف القولى، من ذلك اعتياد الناس بالعرف على بيع المعاطاة من غير صيغة لفظية، أو قسمة الصداق إلى مقدم ومؤخر، ومن العرف القولى الاعتياد على إطلاق لفظ «الولد» على الذكر دون الأنثى، وهو على أية حال يجب أن يكون عرفًا صحيحًا لا فاسدًا، وألاَّ يخالف دليلاً شرعيًا، فلا يحل حرامًا، ولا يبطل حلالاً.
أما الذرائع فلا مراء أنها من وسائل استنباط الأحكام الشرعية، ومعناها فى لغة الشرعيين أن ما يكون طريقًا لمحرم أو محلل، فإنه يأخذ حكمة، فالطريق إلى المباح مباح، وما لا يؤدَى الواجب إلاَّ به فهو واجب.
ومن مصادر الفقه، وأحكام الشرع، ما يعرف عند الأصوليين «بالاستصحاب».. ومعناها لغة استمرار المصاحبة، أما فى اصطلاح الأصوليين فمعناه الحكم على الشىء بالحال التى كان عليها من قبل، حتى يقوم دليل على تغيرها، أو جعل الحكم الذى كان ثابتا فى الماضى باقيًا فى الحال التى عليها حتى يقوم دليل عل تغيره.
(فى تفصيل ما تقدم كتابنا: الإسلام يا ناس. المكتب المصرى الحديث 2013 ص 15ـ 78)
وبعد: فلم أجد بأسًا من هذا البيان الموجز لاستكمال صورة مصادر التشريع ووسائل الاستنباط،، لأنه فى اعتقادى يشكل قاعدة مساندة لما أورده الأستاذ العقاد عن الاجتهاد والفهم المستمد من جميع مصادر الشريعة والأحكام، والعمل بها، على ما سوف يبين.
(يتبع)
رجائى عطية
Email: rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك