فى مدينة العـقاد (281) التفكير فريضة إسلامية (9)

شارك الخبر مع أصدقائك

أمام الأديان

من العسير على الكثيرين من المتدينين المؤمنين بالأنبياء أن يذكروا أسبابًا عقلية لتفضيلهم الدين الذى يعتقدونه على سواه، ومرد هذا إلى العجز العقلى عن تعليل اختيارهم لمن اختاروه من الأنبياء.

بيد أن المسلم له عصمة فى عقيدته تحميه من هذا العجز الذى يعيب العقل ويعيب العقيدة معًا، ففضلاً عن أنه دين التفكير، فإن المسلم يؤمن بجميع الرسالات، ويوقر جميع الرسل والأنبياء، ولا ينكر إلاَّ ما نسخته الشرائع النبوية لاختلاف مقتضيات الزمـن، أو ما ينكره العقل الذى ينكر ما أضافه المتدينون للأديان السابقة من خرافات أو من أوشاب العبادات التى اختلطت ببقايا الوثنية..

ومع إيمان المسلم برسالات الأنبياء المرسلين يتفتح أمامه التفكير والاحتكام إلى العقل باعتقاده أن الأنبياء والمرسلين سيتفاضلون ويحق له التمييز بين دعواتهم بما لها من حجة وما فيها من هداية.. وهو يقرأ فى كتابه المبين : «وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ» (الإسراء 55)، ويقرأ: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ» (البقرة 253).

* * *

والمسلم لا يسعه أن يهمل عقله أمام الأديان والرسالات كافة حين يوفق بين واجب الإيمان بها فى أصولها وقواعدها، وواجب الإعراض عما اختلط بها من أوشاب الخرافة أو الضلالة.. ذلك لأن العقل هو مرجعه الأول فى التوفيق بين هذين الواجبين.

ويستعرض الأستاذ العقاد بعض ما ورد من روايات عن بعض الأنبياء فى أسفار العهد القديم، فيورد ما قصَّه الإصحاح التاسع من سفر التكوين عن شرب نوح للخمر وتعريه داخل خبائه ورؤية حام وكنعان لعورة أبيهما وإخبار سام ويافث إلى آخر القصة، وأورد ما قصَّه الإصحاح التاسع عشر من سفر التكوين عن اضطجاع لوط مع ابنتيه بعد أن سقتاه الخمر، وأورد ما قصَّه الإصحاح الخامس والعشرون من ذات سفر التكوين عن يعقوب وأخيه عيسو وما قيل فيه عن بيع عيسو بكوريته لأخيه يعقوب، وما رواه الإصحاح السابع والعشرون من أن اسحق شاخ وكَلَّت عيناه ودعا عيسو ابنه الأكبر، وكلفه بالصيد فى البرية وأن يأتى إليه بما يصطاده ليأكل، وكيف استمعت «رفقة» إلى هذا الحديث فأبلغته إلى يعقوب وظلت تأمره وتحرضه حتى أتت إليه بالثياب الفاخرة لأخيه الأكبر عيسو، وبالأطعمة والخبز، ليدخل على أبيه اسحق على أنه عيسو وينال منه الوعد والبركة بدلاً من أخيه الأكبر، وأشار الأستاذ العقاد إلى ما ورد بالعهد القديم عن داود عليه السلام من قصص كثيرة ذكر منها قصته مع قائده «أوريا» وزوجته طبقًا لرواية الإصحاح الحادى عشر من كتاب صمويل الثانى، وكيف أرسله للحرب وأخذ زوجته واضطجع معها، وحبلت منه، وكيف استدعى داود أوريا الحثى وأسكره ثم وجهه إلى الحرب الشديدة وأوصى من بعثهم معه أن يرجعوا ويتركوه وراءهم فَيُضْرب ويموت، وكيف أن ما فعله داود قبح فى عين الرب.

وقد حرص الأستاذ العقاد أن يورد «نصوص» العهد القديم التى لخصتها لك كما هى، ليكون الحديث حديثها لا حديثه، وأشار إلى وجود أمثال هذه الروايات عن أنبياء مذكورين فى التوراة كقصة «هوشع» فى سفر هوشع، بدعوى أن الرب قال له : «اذهب خذ لنفسك امرأة زنا وأولاد زنا لأن الأرض قد زنت زنى تاركة الرب.. إلى آخر القصة»، وما ورد بالإصحاح التالى لهذا الإصحـاح، مـن روايـة هوشع نفسـه الذى قال برواية التوراة : «وقال الرب لى اذهب أيضًا أحب امرأة حبيبة صاحب وزانية كمحبة الرب لبنى إسرائيل وهم ملتفتون إلى آلهة أخرى»…. إلى آخر الرواية.

* * *

على أن الأستاذ العقاد إذ أورد هذه الروايات بنصها فى إصحاحات أسفار العهد القديم، فإنه أبدى أنه أورد ما أورده دون أن يناقشه أو يتعرض لنفيه أو إثباته، لأنه لم يكتب هذه الفصول ليخوض فى جدل دينى لا صلة له بما يتغيَّا بيانه من فريضة التفكير فى الإسلام.

وإنما أوردها ليستخلص منها منهج الإنسان أمام الأديان كما يتعلمه من الإسلام، ومنهجه من الإسلام كما يتعلمه من غيره.

فالذين يقبلون هذه النبوات ويكذبون برسالة عيسى ومحمد عليهما السلام، أو يكذبون برسالة محمد عليه الصلاة والسلام وحدها يقبلون ما ورد بكتابهم عن أنبيائهم دون أن تقوم عندهم حجة النبوة بقداسة أو بعظمة مروية، ولا بفضيلة الهداية فـى آدابهـا ومعانيها.

أما الإسلام، فإنه إذ علَّم المسلم أن يقبل جميع الرسالات ولا يرفض منها شيئًا لغير سبب يفقهه ويقيم الحجة عليه، فإن فضل الإسلام لديه ليس لمجرد أنه دينه وكفى، وإنما لأنه يدعوه فى كل عقيدة دينية إلى ما هو خير عنده مما تدعو إليه الأديان عامة.

نبوة هداية

والنبوة التى يدين بها المسلم، هى نبوة الهداية التى ترشد العقل بالبينة والموعظة الحسنة، ولا تفحمه بالمعجزة المسكتة أو بالحماية من مجهول.

والإنسان فى عقيدة المسلم والإسلام- مخلوق مكلف ينجو بعمله لا بوساطة لا فضل له فيها، ويحمل وزره ولا يحمل وزر غيره أو أوزارًا موروثة من ميراث الآباء الأولين.

ويختم الأستاذ العقاد، بأن كل مفاضلة بين عقيدة وعقيدة عند المسلم إنما مردّها إلى سبب، وأن هذا السبب قائم على فضيلة يفهمها العقل ويطمئن إليها الضمير.. وقد يختلف فيها الغيب والشهادة، ولكنه اختلاف لا يصدم العقل فيما تقرر لديه، وإنما يفوقه بما يتممه إذا انتهى إلى غاية مداه.

شارك الخبر مع أصدقائك