فى مدينة العـقاد (280) التفكير فريضة إسلامية (8)

شارك الخبر مع أصدقائك

المعجزة

يقصد الأستاذ العقاد بهذا الفصل، بيان موقف الإسلام من المعجزة، والإطار الذى وضعها فيه، وهو يبدأ الفصل ببيان ما قيل فى شأن الفلك، حين سأل نابليون بونابرت العالم الفلكى الشهير «لابلاس»: أين يجد مكان العناية الإلهية فى نظام السماوات ؟ فأجابه لابلاس بأنه لا يجد مكانًا لما يسمى العناية الإلهية فى ذلك النظام.

ولست بحاجة إلى إثبات أن رد العالم الفلكى فيه إندفاع وعجلة، وفيه سطحية، ومصادرة على تأمل واجب ليستقيم الجواب على أى نحو شريطة أن يحمل أسانيده.

بيد أن الإنسان أيًّا كان نصيبه من المعرفة يتعلم من القرآن المجيد أن المعجزة الإلهية حاضرة فى خلق السماوات والأرض تحدث بها فقال:

«إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (البقرة 164)

فكل ما نراه فى الكون معجزة تلفت النظر، وتدعو إلى العجب، ولكنها المعجزة التى يعمل العقل لاستيعابها وفهمها.. وليست المعجزة التى تبطل عمل العقول.

وهذا هو باختصار موقف الإسلام من المعجزات..

فالمعجزة التى تلتقى بالعقل موجودة، يلتقى بها من ينشدها حيثما التفت إليها، ولكنها ليست المعجزة المسكتة أو التى تسكت الفعل وتبطله، بل هى المعجزة التى تدعوه إلى إعمال العقل والتأمل والتفكير..

والدعوة إلى هذا التأمل والتفكير دعوة قرآنية، صريحة وواضحة، منها تمثيلاً لا حصرًا- قول القرآن المجيد: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (آل عمران 190، 191)

فالإسلام دين العقل، والتفكير فريضة فيه..

والمسلم يؤمن بالنواميس الكونية، وبأنها سنة الله فى خلقه «وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً» (الفتح 23) ولكنه يؤمن كذلك بإمكان المعجزة لأنها ليست بأعجب مما هو حادث شاهد أمام الإبصار والبصائر، وليست هى بمحتاجة إلى قدرة أعظم من القدرة التى تشهد من بدائعها ما يتكرر أمامنا كل يوم وساعة.

وقد تُسمى المعجزة فى عرفه بخوارق العادات، وكان من خوارق العادات عند الأقدمين أن تبلغ الحركة ما صارت تبلغه من السرعة فى التجارب العصرية، التى جاوزت سرعة الصوت مرات، وقامت الأدلة العديدة عليها، ولم يعد مستحيلاً عقلاً أن يتم فى ثانية ما تعود أن يتم فى سنة!

فلا استحالة فى خوارق العادات، وأمثلة ذلك عديدة، ومن يدعى استحالتها فعليه أن يأتى بالدليل والبرهان..

وينتقل الأستاذ العقاد من ذلك إلى تقرير أنه ليس لأحد أن يجزم باسم العلم أن الإلمام بالغيب مستحيل.

فواجب على من يجزم بهذه الاستحالة أن يجزم قبلها بأمور كثيرة لا تستند فى الواقع على حجة أو سند قويم. ما هى مثلاً حقيقة الزمن ؟ هل هو موجود فى الماضى والحاضر والمستقبل أو هو يوجد فى لحظة واحدة ثم يزول ؟ وما هى هذه اللحظة الواحدة ؟ وما مدى إحاطتها بالبعيد والقريب من الأمكنة الشاسعة فى هذه الأكوان ؟ وهل المستقبل موجود الآن، أم هو عدم يوجد لحظة بعد لحظة؟ 

وكيف يوجد العدم بعد أن لم يكن موجودًا؟

إن العالم الذى يجزم بشىء من ذلك باسم العلم، إنما يدعى علم العلم كذبًا، وينم عن عقل ضيق لا يصلح للنظر فى هذه الآفاق..

* * *

وإذا كان العقل الإنسانى لا ينفى بالدليل المقنع وجود العقل الأبدى، فإنه ليس له أن يجزم باستحالة شىء مما يستطيعه ذلك العقل الأبدى من العلم بالأبد كله أو من القدرة على الإيحاء به إلى من يشاء أو من القدرة على خوارق العادات.

والإسلام إنما يضع المعجزة فى موضعها من التفكير والاعتقاد، فهى ممكنة لا إستحالة فيها على الخالق المبدع لكل شىء، وهى معجزة لنا وفقًا لقوانيننا البشرية وليست معجزة له، فإنما أمره سبحانه إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.

ومن لا يؤمن بالآيات الواضحة فى الأرض وفى السماء، فلن تزيده الآية الخارقة إلاَّ ضلالاً على ضلال.

وقد كان جواب النبى عليه الصلاة والسلام لمن يطالبونه بالمعجزات، ما أوردته سورة الإسراء، من الآية 90 إلى آخر الآية 97.

وجاء فى سورة الحجر: «وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ* لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ» (الحجر 14، 15)

وفى سورة يونس: «وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ» (يونس 20)

وقديمًا سَخَر من الآيات من كان يسخر من الحجة والبينة، كمن سخروا فى قصة موسى عليه السلام المروية بسورة الزخرف، حين عقبوا عليه بما رواه القرآن «فَلَمَّا جَاءهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ» (الزخرف 47)

بل وجاء فى الأناجيل من سيرة المسيح عليه السلام أن الكهنة عجلوا بسعيهم إلى إهلاكه حين علموا بآياته وأشفقوا أن تقود الناس إلى الإيمان برسالته.

وعقيدة المسلم فى الغيب وجملة الغيبيات، أنها فيما يقول الأستاذ العقاد شىء علمه عند الله، ولكنها لا تناقض العقل ولا تلغيه.

وهناك فارق عظيم ينبه إليه، بين ما هو ضد العقل، وبين ما هو فوق العقل أو فوق ما تدركه العقول المحدودة. فما هو ضد العقل يلغيه ويعطله ويمنعه من التفكير فيه أو فى سواه، وما هو فوق العقل يطلق له المدى إلى غاية ذرعه ( أى وسعه) ثم يقف حين ينبغى له الوقوف.. والوقوف وهو يفكر ويتدبر. إذ كان من العقل أن يفهم ما يدركه وما ليس يدركه إلاَّ بالإيمان، وحيثما بلغ الإنسان هذا المبلغ فقد انتهى إليه بالعقل والإيمان على وفاق.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »