رجائى عطية

فى مدينة العـقاد (279).. التفكير فريضة إسلامية (7)

شارك الخبر مع أصدقائك


الفن الجميل
لا يقاس نصيب الفنون الجميلة من أى دين، بكثرة أو قلة الأنصاب والتماثيل فى المعابد والبيع، فقد اتسعت المعابد الوثنية لأنصاب وتماثيل ليست بالنموذج الصالح للأديان فى الهداية إلى معانى الجمال أو الحض على الفنون الجميلة.
إنما يقاس نصيب الفن الجميل من الدين بنظرة الدين إلى الحياة، فلا مجال للفن الجميل فى أى دين إذا كان يزدرى الحياة وينظر إلى مطالب النوع كأنها رجس مرذول وانحراف بالإنسان عن عالم الروح والكمال.
والإسلام بين الأديان قد انفرد بقبول نعمة الحياة وتزكيتها وحسبانها من نعمة الله التى لا تحرم على المسلم ويُؤمر بشكرها.
وغير الإسلام من الأديان بين اثنتين : إما السكوت عن التحريم والحل معًا، أو التصريح القاطع بالتحريم والتأثيم.
أما الإسلام فإنه أحل الزينة وزَجَر من يحرمها، ويصف الله تعالى بالجمال ويحسب الجمال من آيات قدرته وسوابغ نعمته على عباده.
ففى خلق الأرض زينة وفى خلق السماء زينة : «إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» (الكهف 7)
* * *
«وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ» (الحجر 16)
* * *
«أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا» (ق 6)
* * *
وفى خلائق الله جمال يطلبه الإنسان كما يطلب البأس والمنفعة : «وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ» (النحل 6)
* * *
وكل من حرّم هذه الزينة على الناس فهو آثم لا يقضى فى تحريمه بأمر الدين : «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ» (الأعراف 32)
* * *
والزينة والعبادة تتفقان ولا تفترقان، بل تجب الزينة فى محراب العبادة كأنها قربان إلى الله حيث لا قربان فى الإسلام : «يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ» (الأعراف 31)
***
والسنّة النبوية فيما روى عنه عليه الصلاة والسلام وفيما أثر عن حياته مرددةٌ كلها لمعانى الآيات القرآنية فى تزكية النعمة وإباحة الزينة والنهى عن تحريم الأخذ بنصيب من الحياة، والتعبد لله بتعظيم محسان خلقه ومحبة آيات الجمال فى أرضه وسمائه.
قال عليه الصلاة والسلام : إن الله جميل يحب الجمال.
وقال فيما ورد من تفسير قوله تعالى : «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء» (فاطر 1) : إنه هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن، وقيل إنه قال : من له شعر فليكرمه.
ويعقب الأستاذ العقاد بأن الدين الذى ينظر إلى الحياة والجمال هذه النظرة القويمة السوية، لا يسوغ لأحدٍ الظن بأنه يحرم الفن الجميل، أو ينهى عن شىء يجمل الحياة أو يعنى بالوقع فى الإبصار والأسماع.
ويستخلص الأستاذ العقاد من منهج النبى عليه الصلاة والسلام يوم دخل الكعبة فى يوم الفتح، واستثنائه بعض الصور كصورة عيسى بن مريم وأمه من الإزالة، دليلاً على أنه لا تحريم للصور على إطلاقها، إلاّ ما كان هذا الفرز والاستثناء.
وينقطع أى خلاف فى هذه القضية بنص القرآن الكريم، الذى بَيَّنَ من نعم الله تعالى على نبيه سليمان عليه السلام ما يستوجب الشكر عليها من القوم جميعًا، فجاء فى الآيات : «يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ» (سبأ 13) والقاعدة العامة فى الإسلام أنه لا تحريم حيث لا ضرر ولا خشية من الضرر، وأنه لا تحريم مع المنفعة المحققة. (للتوسع فى شأن الصور والتماثيل والموسيقى والغناء كتابنا الإسلام يا ناس المكتب المصرى الحديث 2013).
***
وأصاب الأستاذ العقاد فى قوله إن شبهة العبادة الوثنية تنتفى عند النظر إلى فن السماع أو فن الموسيقى والغناء فهو فن لا شبهة للتحريم فيه إلاَّ إذا كان ممتزجًا بالخلاعة مثيرًا للشهوات، وهنا لا ينصرف التحريم إلى الفن الجميل بل إلى الخلاعة والمجون والشهوات، ونستطيع هنا أن نضرب مثلاً بالكلمة، فالكلمة هى لغة القرآن والسنة ولغة الكتب السماوية وعيون الفكر والأدب، ولكنها قد تستخدم استخدامًا رديئًا بإثارة الغرائز والشهوات والتشجيع على الشذوذ والانحراف، فيكون التصدى لها بالحجب والتحريم واجبًا، ولكنه ينصرف إلى «استخدامها» لا إلى الكلمة ذاتها. وهو ما يمكن أن يُقال بالنسبة للموسيقى والغناء، وقد بينت هذا باستفاضة فى كتاب «الإسلام يا ناس» بالنسبة للموسيقى والغناء، فكلاهما فن راقٍ، فإذا جنح إلى خلاعة ومجون، فإن التصدى إنما يكون لهذا الانحراف لا إلى الموسيقى فى ذاتها، وكذلك الغناء.
***
ولعل هذا الخاطر يرد على البال فيما يسوق الأستاذ العقاد بالنسبة للشعر من باب ما ورد فى القرآن الكريم عن أن العشراء يتبعهم الغاوون وفى كل وادٍ يهيمون.
بيد أن هذه الصفة أطلقت كما يبين فى الرد على المشركين الذين تقوَّلوا على النبى عليه السلام بالسحر تارة، وبأنه شاعر تارة أخرى.. فجاء البيان القرآنى للتمييز بين النبوة والشعر، وبين الكلام الذى يهدى إلى الرشد والكلام الذى تتبعه الغواية. والدليل نص الآية القرآنية ذاتها، التى استدركت واستبعدت بصريح النص الذين آمنوا وعملوا الصالحات. فتقول الآية الكريمة :
«وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» (الشعراء 224 227) وقد روى أن حسان بن ثابت وغيره من شعراء المسلمين ذهبوا إلى النبى عليه السلام باكين بعد نزول هذه الآية قائلين إنهم شعراء، فتلا عليهم النبى عليه السلام : «إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» (الشعراء 227).
وكما قلت بالنسبة للفرق بين الكلمة واستخدامها، فإن ذلك يقال بالنسبة للشعر وكل فنون الكلمة، وقد ذكر الأستاذ العقاد أن المنهى عنه ليس الشعر بوصفه كلامًا موزونًا، وإنما من زاوية سوء استخدامه أو تأول البعض به على ما جاء بالقرآن الكريم موزونًا.
فليس الوزن هو المنهى عنه، وليس الشعر منهيًّا عنه، وإنما المنكر كل كلام موزونًا كان أو غير موزون انْحرفَ للغواية والتضليل.
وقد كان النبى عليه السلام يسمع الشعر ويجيزه، وكان يحفظه الخلفاء الراشدون وأئمة المسلمين، ونظمت بعض أحكام اللغة أو الفقه فى بحوره الموزونة للإعانة على حفظها، كما جرى بالنسبة للنحو والصرف فى «ألفية ابن مالك».
أما التمثيل، فإن موضع المراجعة فيه ما ورد فى القرآن الكريم من نهيه المرأة أن تتبرج تبرج الجاهلية وأن تبدى زينتها للغرباء إلاّ ما ظهر منها، وهنا عقب الأستاذ العقاد بأن كتب التفسير أسهبت فى بيان المقصود بما ظهر من الزينة، وتمثل بتلخيص الإمام النسفى لها، وبالحديث المرفوع إلى السيدة عائشة فى تفسير ابن كثير.
وظنى الشخصى أن هناك من التمثيل ما يبرأ تمامًا من هذه المظان، فلا تثريب عليه، فإن شابه هذا الجنوح كان النهى عن الجنوح، وهنا يوضح الأستاذ العقاد خطأ الرأى الذى يجرى على أن التمثيل لا يزدهر بغير ترخص وخروج، فالواقع المشاهد يشهد بوجود هذه وتلك، فيكون الموقف تبع الشكل والأسلوب والهدف، ولذلك يختم الأستاذ العقاد هذا الفصل بأن التمثيل ربما ضاقت به عقيدة تعلم أبناءها نبذ الحياة.. أما الدين الذى يعلم من يدينون به أنه يحب الحياة، فلا خوف عليهم ولا على الفن إذا ما فهموا الفن على سوائه والتزموا به على أصوله فى إطار فنون الحياة والجمال.
رجائى عطية
Email: rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك