فى مدينة العـقاد (209) عبقرية محمد

شارك الخبر مع أصدقائك

أصدر الأستاذ العقاد هذه الدرة: «عبقرية محمد» فى سنة 1940، فكان أول كتاب من كتب «العبقريات» التى اشتهر بكتابتها عن الشخصيات الجديرة بهذه التسمية. وأول ما كتبه من كتب عن الأنبياء، كتبه قبل سنوات من كتابه «إبراهيم الخليل: أبو الأنبياء» ومن كتابه «حياة المسيح». وأول افتتاح لسلسلة «كتاب الهلال» التى أصدرت دار الهلال عددها الأول فى أول يونيو 1951، واختارت أن يكون أول الافتتاح بكتاب «عبقرية محمد» للأستاذ عباس محمود العقاد. وقد كان هذا الكتاب النفيس أول كتاب أقرأه للأستاذ العقاد الذى أدمنت قراءته من الصبا رغم صعوبة تحصيلى لكتاباته فى تلك السن.

وقد كانت هذه الأوليات تقتضى أن أبدأ به المجلد الثانى عن «مدينة العقاد»، ولكنى رأيت الأصوب الالتزام بترتيب نزول الرسالات، فبدأت بكتابه عن «إبراهيم الخليل»، ثم بكتابه: «حياة المسيح»، ومع أن «عبقرية محمد» أسبق كتابةً وصدورًا من «مطلع النور» بخمسة عشر عامًا، إلاّ أننى استحسنت أن أبدأ بمطلع النور لأنه كتاب «عن الرسالة»، قبل أن أتناول كتابه عن «الرسول» فى «عبقرية محمد».

كتاب «مطلع النور» فى طوالع البعثة المحمدية، هو كتاب عن «الرسالة» ـ يهيئ للإطلال على كتاب «عبقرية الرسول»، الذى سعى فيه الأستاذ العقاد للاقتراب من «شخصية الرسول» للتعرف على جوانب العظمة والعبقرية فيها.

وقد حرص الأستاذ العقاد أن يصِّدر كتاب «عبقرية محمد» بسطور استهلها مع عنوانه فى الطبعة الأولى وفى طبعة كتاب الهلال.. أنه رسالة تقدير لعبقرية النبى العربى محمد ـ عليه الصلاة والسلام، بالقدر الذى يدين به كل إنسان، وبالحق الذى يبث له الحب فى قلب كل إنسان..

علامات مولد

تحدث الأستاذ العقاد فى هذا الفصل، عن العالم، والأمة، والقبيلة، والبيت، والأب، والرجل، ثم عن بشائر الرسالة.

العالم:

كان العالم قبل مولد محمد عليه السلام، عالمًا متداعيًا قد شارف النهاية.. خلاصة ما يقال فيه إنه افتقد العقيدة كما افتقد النظام..

من ذلك فقدانه أسباب الطمأنينة فى الباطن وفى الظاهر..

يقصد الأستاذ العقاد بطمأنينة الباطن، تلك الطمأنينة التى تنشأ من الركون إلى قوة فى الغيب، تبسط العدل، وتحمى الضعف، وتجازى الظلم، وتختار الأصلح والأكمل من جميع الأمور.

ويقصد بطمأنينة الظاهر، تلك التى تنشأ من الركون إلى دولة تقضى بالشريعة، وتفصل بين البغاة والأبرياء، وتحرس الطريق، وتخيف من يعيثون فسادًا..

فبيزنطة خرجت من الدين إلى الجدل العقيم..

وفارس سخر فيها المجوس من دين المجوس، وكمنت حول عرشها كوامن الغيلة، وبواعث الفتن، ونوازع الشهوات..

والحبشة ضائعة بين الأوثان المستعارة من غيرها، وبين توحيد هو ضرب من عبادة الأوثان..

وعالم يتطلع إلى حال غير الحال..

أمة:

وبين هذه الدول المتداعية، أمة ليست بذات دولة تتأهب لإقامة دولة، هى أمة العرب التى تيقظت لوجودها، وفى أيديها تجارة العالمين، وملتقى مسار القوافل من اليمن للشام أو من بحر القلزم إلى بحر الروم..

أمة رأت الأخطار محدقة من حولها.. هرقل الرومى يرسل إلى مكة من يتغيا أن يحكمها، وأبرهة الحبشى يزحف إلى مكة راميًا هدم الكعبة ليستبدل بها غيرها، وفارس تطغى على شرق البلاد وعلى جنوبها..

خطر من الخارج يزيد الأمة يقظةً وانتباهًا لوجودها، وخطر من داخلها يدفع بها إلى الزوال أو إلى استكمال النقص المستشرى فى حياتها..

ومدينة واحدة تجتمع فيها ثروة الجزيرة وعصبة واحدة من سادة القوم تجتمع فيها ثروة المدينة.. يجتمع الترف والطمع الخمر ولقمار والمتعة والتسخير، مع الفاقة والحسرة والشك إن لم يكن اليأس فى صلاح الأمور ..

وصف الأستاذ العقاد هذا الشك بأنه شك يبحث ويضطرب، ولخص الحالة فى قالة قيلت لدى أناس بنخلة لإحياء عيد «العزّى»، فقال أحدهم: «والله ما قومكم على شىء وإنهم لفى ضلال.. فما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، ومن فوقه يجرى دم النحور. يا قوم التمسوا لكم دينًا غير هذا الدين الذى أنتم عليه !».

وتفرق الناس، منهم من اعتزل الأوثان، ومنهم من انتظر حتى سمع دعوة الإسلام فلباها.. حالة لا تستقر، وأمة يقظى، وخطر محدق، وحالة تنذر وتدعو للتبديل والتجديد.

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك