رجائى عطية

فى مدينة العـقاد 2005 – 572 فاطمة الزهراء والفاطميون 1

شارك الخبر مع أصدقائك

أصدر الأستاذ العقاد درّته عن الزهراء سنة 1953، ونشرت دار الهلال طبعته الأولى بالعدد/27 من كتاب الهلال – يونيو 1953، وقد أعادت دار المعارف نشره ضمن مجلد «إسلاميات العقاد»، وقد طبع أكثر من مرة، وصدرت طبعته الثالثة سنة 2008، ونشرته نهضة مصر عام 2006، كما نشر بالمجلد/2 للمجموعة الكاملة لمؤلفات العقاد بيروت، وبالمجلد/3 فى «موسوعة العقاد الإسلامية» لبنان.

وأواصر هذا الكتاب ممدودة متصلة بعبقرية محمد، وطوالع البعثة المحمدية، وبالسيرة النبوية عمومًا، ومكملة لما أبداه الأستاذ العقاد فى «عبقرية الإمام»، وفى «الحسين أبو الشهداء».

تعدد روافد الكتابة عن الزهراء

قد تُكتب الترجمة لفاطمة الزهراء، فيما يقول الأستاذ العقاد، لأنها بنت محمد عليه الصلاة والسلام، أو تُكتب لها لأنها زوج الإمام علىّ، أو لأنها أم الحسن والحسين وبنيهما الشهداء، ولكنها مع هذه الكرامة متعددة الروافد- تكتب لها الترجمة لأنها هى فاطمة، ولأنها هى مصدر من مصادر القوة التاريخية التى تتابعت آثارها فى دعوات الخلافة من صدر الإسلام وحتى الزمن الأخير.

والكتاب، وكما هو مستفاد من عنوانه، يجرى على قسمين: القسم الأول لفاطمة الزهراء: أمها، ونشأتها، وزواجها، وبلاغتها، ودورها فى الحياة العامة، وشخصيتها، وذريتها.
والقسم الثانى للفاطميين، بكل ما يتعلق بهم ونسبهم وفرق الباطنية بعامة والباطنية الفاطمية بخاصة، وحسن بن الصباح ودوره، والبناة والهدامون، والمهدومون أيضًا، فضلاً عن الحضارة المحتضرة.

القسم الأول: السيد خديجة
أم الزهراء

قليلٌ ما حفظه التاريخ- للأسف!- من أخبار السيدة خديجة أم الزهراء رضى الله عنهما، بينما كان دورها إلى جانب المصطفى عليه الصلاة والسلام، منذ بدء نزول الوحى، وطوال سنوات المبعث الصعبة فى جنبات مكة، دورًا بالغ الأهمية والتأثير، واجب البيان والإيضاح.
ومن جملة الأخبار القليلة التى طفق الأستاذ العقاد يتقصاها، يبين أن السيدة خديجة أم الزهراء- كانت أمًّا ذات فطنة ورجاحة، وأنها كانت غنية اليد غنية النفس بأكرم العواطف الأنثوية.. عاطفة المحبة الزوجية، وعاطفة الأمومة، وعاطفة الإيمان.

كانت تسمى فى الجاهلية بالطاهرة وسيدة نساء قريش، لأنها جمعت إلى مكانة النسب العريق مكانة الثروة الوافرة ومكانة الخلائق الموقرة، ولم يحفظ التاريخ سيرة أحد من أهلها- إلاَّ استبان أنه كان عَلَمًا فى الحكمة والدراية أو فى الشجاعة والشمم، كورقة بن نوفل، وأسرة الزبير بن العوام.

ولدت السيدة خديجة لأبوين ينتميان لأعرق الأسر فى الجزيرة العربية، وينتهى نسب كل منهما إلى «لؤى بن غالب بن فهر»، وكانت أمها تنسب أيضًا من ناحية أمها إلى ذات هذا النسب المعرق فى النبل والسيادة.. فأمّ خديجة هى فاطمة بن هالة بنت قلابة، التى ينتهى نسبها إلى ذلك الجد الأعلى «لؤى بن غالب»
وأهم من ذلك كله، أن السيدة خديجة: زوجة النبى وجدة أئمة بيت النبوة كانت مفطورة على التدين وراثةً وتربيةً..
فأبوها خويلد هو الذى نازع «تبعًا الآخر» حين أراد أن يحتمل الركن الأسود من الكعبة معه إلى اليمن، فتصدى له خويلد دون أن يرهب بأسه غيرةً منه على هذا النسك من مناسك دينه.

* * *

وابن عم السيدة خديجة رضى الله عنها، هو ورقة بن نوفل الذى رجعت إليه حين تفاجأ النبى عليه السلام ببدء نزول الوحى عليه، فركبت إلى ورقة تسأله لعلمه بالدين وعكوفه على دراسة كتب النصارى واليهود، دون كهانة، فلم يكن للكهانة وظيفة بمكة فى ذلك الأوان، وإنما كان عكوفه على دراسة الدين لطبيعةٍ فيه أوحت إليه الشك فى عبادة الأصنام، وجنحت به إلى البحث والمراجعة عسى أن يهتدى إلى عقيدة أفضل من هذه الوثنية- وقد حفظت له أشعار تشبه أشعار المتحنث أمية بن أبى الصلت، ويروى
كتاب السيرة أنه استغرب علم السيدة خديجة باسم جبريل حين ذكرته له، وقال لها:
«إنه السفير بين الله وبين أنبيائه، وإن الشيطان لا يجترئ أن يتمثل به ولا أن يتسمى باسمه».

والذى يعنى الأستاذ العقاد هنا ليس الروايات المختلفة التى قيلت عن حديث ورقة إلى بنت عمه خديجة، وإنما الذى يعنيه وجود هذا الشغف بمدارسة الأديان بين بنى عمومتها الأقربين.

ويؤخذ من الأخبار الأخرى للسيدة خديجة، أنها كانت على علم بكل من يطالع كتب المسيحية والإسرائيلية، ولذلك لم تكتف بسؤال ابن عمها بل سألت غيره ممن كانت لهم شهرة بالاطلاع على التوراة وكتب الأديان.

وقد روى عنها أنها حينما قال النبى عليه السلام لها حين فاجأه الوحى: «لقد خشيت على نفسى» قالت له كلامًا يثبت جنانه ويسرى عنه مما يدل على أنها كانت على العلم بلباب الدين، ولكنها أدركت عن حقيقة الدين ما لا يدركه عامة قومها، فعلمت أنه فضيلة، وأن النبى الجدير بهذا الاصطفاء هو الرجل الذى اتسم بالفضيلة، ولأنها آمنت بأن ما جاءه وحىٌ من السماء، قالت له عليه السلام معارضةً قلقه: «كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ (الضعيف)، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، وتصدق الحديث، وتؤدى الأمانة».

وهذه علامات للنبوة لا يدركها كل من يسمع بالدين، ولولا أنها عرفت من أبناء عمومتها ممن كانوا يفهمون النبوة حق فهمها لما حددت هذه العلامات تصديقًا لما جاء زوجها الكريم.

وجدير بالذكر أن هذه الطبيعة لديها كانت طبيعة مميزة لا منساقة إلى السماع والتقليد، فقد نقل عنها أنها طلبت من النبى عليه السلام أن يخبرها إذا جاءه الوحى، فلما أخبرها سألته أن يجلس على فخذها اليسرى ثم اليمنى وسألته عمّا إذا كان لا يزال يرى الوحى، فلما أجابها بأنه يراه، ألقت خمارها وسألته، فقال: «الآن لا أراه»- فقالت لمحمد عليه السلام: «يا ابن العم اثبت وأبشر، فإنه ملك وما هو بشيطان».

رجائى عطية
Email: rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »