فى مدينة العـقاد (13)

شارك الخبر مع أصدقائك

كان الفتى عباس العقاد، فى الخامسة والعشرين، حين شبت فى سبتمبر 1914 الحرب العالمية الأولى أو العظمى حسب مسمّاها فى ذلك الأوان، يناضل ليشق لنفسه طريقًا يفسح لموهبته الأدبية أن تعبر عن نفسها، فما كاد يطمئن إلى دخل قليل ثابت من وظيفته بسكرتارية ديوان الأوقاف، وإلى الخط الموازى الذى تيسر له بما كتبه فى «البيان» ثم بعمله فى «المؤيد» حتى ترك الصحافة آنذاك حين اكتشف بالصدفة أن ما يشكوه من المحررين الصغار، صاعد إلى الكبار، ثم ما لبثت وظيفة ديوان الأوقاف أن طارت فيما يرى هو أنه فعل المقادير، ويرى سواه أنه من ترتيبات المقاصد للتخلص منه إزاء ما كان يكتبه هنا وهناك ولا يُرضى أصحاب النفوذ والسلطان .

استثمر الفتى المناضل فترة البطالة إن جاز التعبير التى أمضاها فى أسوان، ليعكف على القراءة والتأليف، فأثمرت كتاب «ساعات بين الكتب» فى نحو خمسمائة صفحة يقول العقاد إنه أودع فيها ثمرة الاطلاع والتأمل فى أهم مذاهب الفكر الحديث، وأولها مذهب داروين ومذهب نيتشه فى السوبرمان، وهذا الكتاب فيما يقول غير الكتاب الذى ظهر بعد ذلك بذات الاسم، لأن ما كتبه فى أسوان ضاع مرتين ولم يبق منه سوى خمسين أو ستين صفحة، أما كتاب «ساعات بين الكتب» الذى بين أيدينا، فظهر جزؤه الأول سنة 1929 طبقًا لموسوعة الدكتور حمدى السكوت، والثانى سنة 1945، ثم طُبِعَا فى مجلد واحد سنة 1950 .

وفى تلك الفترة أنجز الفتى المناضل، كتابًا أخر عن المرأة، أسماه «الإنسان الثانى» لم يبق منه بدوره غير صفحات، وأعيد نشره بعد سنوات حسب الدكتور السكوت مع «هذه الشجرة»، بعنوان «هذه الشجرة والإنسان الثانى»، وأعيد نشرة ضمن الأعمال الكاملة المطبوعة فى بيروت .

كذلك أتم العقاد فى أسوان رسالته «مجمع الأحياء» تلخيصًا للآراء فى فلسفة النشوء وفلسفة القوة وفلسفة الفطرة التى تهذبها الرياضة النفسية الاجتماعية، وقد نشرت بعض فصولة فى جريدة «عكاظ» وظهرت أولى طبعات الكتاب سنة ( 1916 ) والحرب العظمى لا تزال ناشبة .

وفى أسوان نظم العقاد فيما يروى، أكثر من نصف قصائد الجزء الأول من الديوان، ومنها قصيدة دالية مطولة نبذها بعد ذلك لأنها كانت تعبر عن دفعة من دفعات الفكر لم يبق لها فى نفسه سند سليم ولا مسوغ مقبول .

ونعرف أنه صعب على الكاتب وعلى الشاعر، أن يستبعد شيئًا مما كتبة أو نظمه، وظنى أن مقدرة العقاد على هذا «الفرز» و «التجنيب» تدل على عناية خاصة بألاَّ يستبقى من إنتاجه إلاَّ ما هو جدير بأن يدفع به إلى الناس .

أما الكتابة الصحفية، فقد جرت أمورها على غير ما قدر العقاد، فقد كان ظنه بعد تجربته الأخيرة فى «المؤيد» أنها ستكون أقل شواغله، وأنه إن عاوده الحنين إليها فلتكن عودته إليها بقصيدة شعرية أو مقالة أدبية فى حكم القصيدة الشعرية، ولكن كان للأقدار رأى آخر، فقد شغل بمقالة كتبها من باب إزجاء الفراغ، شغلته بأضعاف ما ينشغل بغيرها، وكانت بعنوان «نادى العجول» وكاد أن يُدْفع به من جرائها إلى جزيرة مالطة .

ظهر مقال «نادى العجول» بما فيه من إسقاط على الحاكمين وسراة القوم فى المدينة، وكانوا من أصحاب الوزن الثقيل، بينما الأحكام العرفية معلنة بسبب الحرب، وأوشكت الرغبة فى تطبيقها أن تصير هوسًا فى نفوس بعض «الحكام»، وأدت مادة المقال الذى كان أشبه بالقصيدة المنثورة، إلى سرعة انتشاره وتناسخه بين الأدباء وترديده، وقرأه أعضاء النادى إيّاه بعد نشره بالصحف، فقرروا مصيرًا أسود للمتجرئ على وصفهم تلميحًا بأنهم من ذوات القرون والقناطير المقنطرة من الشحم واللحوم !

وتربص المدير بالعقاد الذى كانت المناوشات بينهما سجالاً، ولم يعد هناك مناص من أن يخرج أحدهما من المدينة : المدير أو كاتب المقال عن نادى العجول .. ولكن خاب سعى المدير فى نفيه، فتفتقت حيلته أن يصدمه بمفتش الداخلية الإنجليزى، فأوعز إليه أن العقاد يتهمه بالرشوة وبأنه يقاسم الموظفين «إتاوات» على وظائف العمد والمشايخ و«تبرعات» الأعيان وصفقات التموين، وبعد لقاء بالمفتش الإنجليزى فى ديوان المديرية، انضم إلى جانب المدير فى طلب اعتقال العقاد وإقصائه من المدير، مبديًا أنه أخطر من ناظر المدرسة الذى نُفى إلى مالطة، ولحسن الحظ تطوع فاعل خير ممن قرأوا المقالة بتحذير العقاد الذى تمكن رغم ملازمة الرقيب لداره، من الانفلات إلى القاهرة قبل أن يعود منها جواب «السلطة» على تقرير المفتش والمدير، وكان من سوء طالع المدير أنه إستمر يكتب تقارير سرية، يخترع فيها مفتريات بدعوى أن العقاد يرتكبها فى أسوان، بينما كان العقاد بالقاهرة يتردد يوميا بصحبة وكيل الداخلية الأديب جعفر والى «باشا» على مستشار الوزارة، فانكشفت أكاذيب وتلفيقات المدير، وانتهى الأمر بخروجه من أسوان وتلاه المفتش، وأعقبه إحالة المدير إلى المعاش قبل موعد الحركة الإدارية، جزاءً وفاقًا على شره وسوء تدبيره !

شارك الخبر مع أصدقائك