فى مدينة العـقاد (11)

شارك الخبر مع أصدقائك

وصل العقاد إلى أسوان معلقًا بين اليأس والأمل، فقد ترك من ورائه صورة غير مشجعة للصحافة ورسالة القلم التى اختارها طريقًا، وكان ظنه حين وصل إلى مسقط رأسه أنه لن يحتاج إلاَّ إلى راحة ترد إليه عافية الجسد، إلاَّ أنه فوجئ بأن الحياة المضنية التى عاشها بالقاهرة، قد أثرت على صحته تأثيرًا بالغ المدى، وأنه فى أسوان قد تجمعت عليه المتاعب من كل جانب دفعة واحدة. 

إلاَّ أنه لم يستسلم لليأس، وعكف على القراءة فى كتب «الفلسفة المادية»، وأكثر من النظر فى مذهب «النشوء والارتقاء» وكان يغزو العالم آنذاك، فلاح له أنه أصدق من أقوال خصومه الأوروبيين الذين تصدوا للرد عليه باسم الدين، ويعترف العقاد فى «رحلة قلم» أنه كون رأيًا من النظرة الأولى فى «غير روية»، ارتأى فيه أنه يهبط بالإنسان إلى حضيض الحيوان، ولا يبقى بينه وبين السماء معراجًا واحدًا يرتفع إليه.

كان العقاد قد استثمر وجوده بأسوان، متخففًا من أعباء العمل اليومى الذى كان يمارسه بالقاهرة، فى كتابة «يوميات» نشرت بعد ذلك بكتابه «خلاصة اليومية»، (1911).. وسطر فى مقدمته أن «الإنسان حيوان راقٍ ولكنه حيوان»، وقصة خلاصة اليومية أنها خواطر جعل يدونها فى دفتر صغير، ويودع فيما يودعه فيها ـ أبيات شعر نظمها ولم يتممها فسجلها حتى لا ينساها، ورؤوس موضوعات نظر فيها ولم يفرغ من دراستها، أو ملاحظات الطريق ونوادر الأحاديث.. وظنى أن العقاد أراد بما سطره حولها فى «حياة قلم» ـ أن يسجل وقد نشرت عام 1911، أنها عجلى كتبت فى فترة يأس، وأنها لا تمثل بالضرورة آراءه التى استوت له بعد طول النظر واتساع الإطلاع وتراكم خبرات الحيـاة.

عاش مع العقاد وهم الموت حقبة فى أسوان، وعاش معه حقبة أخرى فى القاهرة حين رجع إليها فى وقدة الصيف، ثم كان إرتداد عافيته النفسية على شواطئ الإسكندرية التى ذهب إليها لأول مرة، فشغلته عرائس البحر وعرائس الشعر فى لجة من لجج الأمل والمغامرة، فلما عاد منها بعد شهرين إلى القاهرة بحثًا عن عمل، لم يتيسر بالصحافة التى مازالت فى محنتها، ولا فى التدريس، وقذفت به المقادير إلى قلم السكرتارية بديوان الأوقاف.

وقبل تحقق هذا المأوى، عمل العقاد «لمجلة البيان» التى أصدرها الشيخ  عبدالرحمن البرقوقى الذى لا يخفى العقاد تقديره له، فقد كتب فصولاً للمجلة تلخيصًا لكتاب «ماكس نوردو» المشهور عن أكاذيب المدنية الحاضرة.. ومن حيث انتقد حافظ عوض ثم مصطفى صادق الرافعى ـ عنوان الكتاب الذى ترجمته المجلة، أدت هذه الانتقادات إلى زيادة ثقة الشيخ البرقوقى بالعقاد، وتصادف أن التقى الشيخ بمحمد المويلحى الذى أظهر اهتمامًا بالعقاد وبما يكتبه، فلما عرف بأنه لا ينتمى إلى السيد حسن موسى العقاد المشهور، وأنه لا مورد له سوى أجور مقالاته أو فصول الكتب المترجمة، بادر المويلحى قائلاً «إنه أولى بالوظيفة من أكثر «التنابلة» الذين عندنا فى هذا الديوان» ـ ومن ثم أجاب طلب العقاد لفوره، وبغير امتحان، فعينه بديوان الأوقاف.

وكان ديوان الأوقاف فى تلك الحقبة، مجمع الأدباء والشعراء وشيوخ وشبان، فكان فيه محمد المويلحى، وأحمد الأزهرى صاحب مجلة الأزهر، وأحمد الكاشف، وعبد الحليم المصرى، وعبد العزيز البشرى وغيرهم.. وكان عمل العقاد الأول فى الديوان مساعدًا لكاتب المجلس الأعلى بقلم السكرتارية.

      ويبدو أن العقاد كان موعودًا فيما يقول، بأن تعيش الأعمال التى اشتغل بها فى أزمة أو مرحلة من مراحل الاضطراب، حدث ذلك بعمله فى وظيفة الحكومة بكل من قنا والشرقية، وها هو يصادفه فى ديوان وزارة الأوقاف، فقد كان ميدانًا لمعركة حامية بين السلطة الشرعية والسلطة الفعلية وطلاب الإصلاح.. ولم يأسف العقاد على هذه القسمة، فقد أتيح له فترة عمله بديوان الأوقاف بين سنتى 1912 و 1914، أن يعرف حقائق كثيرة من الشئون العامة للبلاد، لم يكن ليعرفها لو لم يقض هذين العامين فى ذلك الديوان.

كانت يد الخديو مطلقة فى وظائفه وأمواله، ويحتكرها للأسف الشديد لإشباع نهمه من المال والدسيسة، ولا يترفع عن الاختلاس من أموال الصفقات والسمسرة على صفقات الاستبدال.

وكان المحتلون يحاربون سيطرة الخديو على الأوقاف، ويريدون فى حربهم أن يحولوا بينه وبين استخدام أموال الأوقاف فى حماية سلطانه.. ويأبون عليه أن يستأثر بهذه الحكومة الصغيرة فى داخل الحكومة الكبيرة.

وكان طلاب الاصلاح يهتمون بأمر واحد، وهو القضاء على المفاسد فى ديوان يرتبط به نظام المعاهد الدينية أشد الارتباط.. فلا أمل فى إصلاح هذه المعاهد، ولا فى إصلاح القضاء الشرعى معها، ولا فى إصلاح الأزهر بفروعه ـ ما لم تكن إدارة الأوقاف خاضعة للرقابة العلنية وخارج «العزلة» التى جعلتها أشبه بالضياع الخاصة !

فى هذه الفترة أتيح للعقاد من الحقائق والخبايا ما جعل يعالجه بقلمه فى المسار الموازى للوظيفة، بمقالات خالية من التوقيع، لا خوفًا من تبعتها، وإنما إتقاءً للفصل.. فلما وصل نبأ من هو كاتبها، أراد السكرتير الشرقى أن يلقاه، وحضر اللقاء الأستاذ روحى الإيرانى صاحب إحدى المدارس الكبرى بالعباسية، والذى زلف منه أن العقاد هو كاتب المقالات، واعتذر عن هذا الخطأ غير المقصود، فطمأنه العقاد بأنه لا لوم ولا حرج عليه، وفى اللقاء الذى تطرق فيه السكرتير الشرقى المستر «ستورز» إلى بعض أحاديث الأدب والصحافة، أفلتت من السكرتير الشرقى عبارة لم تعجب العقاد حين قـال متسائلاً : «ألا ترى أن حرمان الأوقاف من الرقابة الأجنبية هو علة المفاسد التى شاعت فيها ؟»، فلم يتوان العقاد عن إبداء ردٍّ مفحم، وبعد اللقاء نقل إليه الأستاذ روحى أن النية كانت متجهة إلى توليته تحرير صحيفة «المؤيد»، ثم صرف النظر لأن الظن كان أنه أكبر سنًّا.. وهكذا عاد الحديث إلى الصحافة من طريق ديوان الأوقاف.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »