محمد بكري

فن التوهج!

شارك الخبر مع أصدقائك

ماذا يجعلك متوهجًا؟ لا أعنى ما يحفزك أو ينشطك أو يبث التحدى فى أوصالك!

بل ما يجعلك ويبقيك داخليا متوهجًا كالشمس، تشع على كل من وما حولك، فتراهم أوضح وتعطى أعمق ويرونك أظهر وأثمر.

صديق قال لى: إن التحدى هو ما يحفزنى، يجعلنى نشطًا، يمنحنى طاقات اسخرها لتحقيق التحدى وتجاوزه.. فأثبت ذاتى، وأنتقل لتحد جديد. قلت له: ما أجمل التحدى وما أقساه، عندما يسخر كل طاقاتك ومواهبك لتحقيق الهدف، على حساب باقى حياتك! فتهمل أسرتك، أو تطغى على عملك، أو تسقط أصدقاءك! حافز التحدى يجعلك متنبهًا لأقصى درجة ومتألقًا فى اتجاهه وحده! فاحذر يا صديقى أن يعلم أحد بعشقك للتحدى لأنها نقطة ضعفك! فعندما أقنعك بامتيازك، تألقك، تفوقك، إنجازك للعديد من التحديات، فإنى أستفز الرضا بداخلك، ليطل برأسه ويكتسحك الاطمئنان بأنك من الأبطال… الذين احترفوا التحدى، فلم يعد يقلقهم، فيقهرك تدريجيا!

التوهج حالة نفسية، روحية، عقلية، تكتنف وجودنا وتتسلل إلى جوارحنا وتجعلنا محل إنارة واستنارة دائمة! فتلمع أعيننا، يُشد جلدنا، يُشذب فكرنا فتنطلق كلماتنا دومًا ذات معنى إيجابيا، يمشق قامتنا فنمشى فى الارض منارات ترسل لمعات من الأمل والفكر والإيجابية للآخرين. التوهج يجعلنا حركة فى المكان والزمان، كراقص تانجو فى حفل لا ينتهي! وعلى إيقاع التانجو، نواجه الحياة برمتها، بأشخاصها، ظروفها، صعابها، تحدياتها، أزماتها، لينطلق الحل من داخلنا بعفوية وبساطة وعمق. التوهج يحول أفكارنا ومشاعرنا وخيالاتنا وتوقعتنا إلى ماء يتشكل بقوة ما يطلبه! فيكون وجودنا طبيعيا، مقبولًا، شفافًا، ثريا، معطاءا، أبديا، حيويا! التوهج يجاوز بنا مفهوم الطاقة لأن نُستحث بكلمة أو موقف أو شخص أو حب.. إلى أن نكون روحًا خالصة تشع وجودًا لمن حولنا.

اقرأ أيضا  «حزب الله».. من خير المقاومة إلى الغرور المستطير لأمد غير منظور

ولكن، ماذا يجعلك متوهجًا؟ ما الذى يدخلك فى دائرة الماء وتتوهج كالحياة؟ ما الذى يحيل سلوكك إلى مصباح مضيء ينير ظلام ما حوله فتراهم ويرونك ويرون بعضهم البعض بتوهجك؟

لا أعنى هنا الحافز أو المُنشط أو الداعم، فكلها أسباب خارجية يمكن أن تتحكم فيها أو تتحكم بك! ولكنى اعنى ابحارك داخل ذاتك وتنقلك بين جزائرك ومحيطاتك الداخلية وسماوات العنق وسدرة منتهى رأسك!

هناك من يسطع توهجهم من علاقتهم بالله! فى أى شكل ودرجة ودين، فيتوهج ذاتيا باستحضار معناه وطريقه وفكرة مراقبته والحديث معه لحظيا! فيسير فى الأرض باحساس المدعوم، المحمي، المنير بداخله، الرائى للصلة والرضا. توهج رضائى، غير مدعوم من بشر، لا يرتبط بمعايير أو قياس، إلا بدرجة قربك من فكرته بداخلك وأحساسك بوجوده فى حياتك. المتوهج بفكرة الله، آمن من الدهر، الا عندما يُختبر! والاختبار قد يكون فى الحجب أو الصمت أو البُعد أو الإلهاء… وما أقساه. لا يخبو المتوهج بالله! ولكن توهجه يأخذ ألوان قوس قزح، فيتدرج، يرتقى، يسكن، ولكنه دومًا موجود، إلى أن تنتهى دورة الاختبار ويسطع نقيا كما كان، ويعود الاختبار ليتدرج، فيتنقى أكثر وهكذا، حتى يستحيل نوراً ذاتيا على الأرض.

اقرأ أيضا  أمن البحر المتوسط.. رابع حصون مصر الطبيعية

وهناك من يُدخلهم هذه الدائرة إحساسهم بالأمان المالي! بأنهم دومًا مستورون، قادرون على العطاء وهزيمة اى شيء بالمال أو المادة؟ الحب، المشاكل،الغضب،النجاح، الفشل،الزواج،العمل..أى شيء! فما داموا آمنين ماليا، فتوهجهم قائم ومستمر. المشكلة عند زوال أو نقص المال أو الستر المادي! يخبو توهجهم، يضمر، يموت تدريجيا وينتقلون من الانارة إلى العتمة بمنتهى الهدوء والقسوة.

العديد من نقاط التوهج تقبع بداخلنا مجهولة، العديد منا يجهلها أو غافل عنها أو يرفضها، ولكنها هناك موجودة تنتظر الاكتشاف لتحيل حياتك إلى منارة تهديك وتهدى الآخرين.

قاذف التوهج بداخلك قد يكون فى الحب! أن تكون دومًا محبا ومحبوبا أو فى حالة حب! قد يكون فى العطاء بكل أنواعه ولو بالابتسام، فتتوهج بعطاء غير مشروط لكل من وما حولك! قد يكون فى الموسيقى، فتعزف حياتك وعملك وعلاقاتك على موسيقى داخلية، تشحنها بمؤلفين من خارج أذنك وتجعلك مايسترو دنياك الخاص!

اقرأ أيضا  ضمانات التوازن الإقليمى العالمى فى الشرق الأوسط

يرتبط التوهج دومًا بالتغيير والتطوير الحقيقى من نفسك والآخرين. فهو يرتبط دوما بحالات الفكر والعمل والعطاء والحركة فى المكان والزمان. من العادى جدا ألا يصادفك فى مكان عملك أو سكنك أو هواياتك، أى عيون لامعة أو أفكار تقصف جبهتك أو ابتسامة حقيقية تشجعك! فالتوهج حالة فردية متفردة لا تمنح سرها إلا للمخلصين والمؤمنين بحتمية النور لإكمال الطريق.

ولكن التوهج الحقيقى كمنارة، يجعلك مرئيا وظاهرًا، فتأتيك آفات فرسان الظلام والعادية والخوف من التغيير ومدمنى البحث خارج ذواتهم، ليضاف لاختبارات توهجك.. حقيقته وصموده أمام عتمة الغفلة.

فن التوهج قديم قدم الزمان، وحديث حداثة محاولة الفهم! فالتوهج أعلى من التنوير الذى ينتهى بالاستنارة، اما هو فهو مشعل الفهم نفسه وحربة التجديد وسيف الأمل.

ابحث عن توهجك، أطلق توهجك، كن متوهجًا منيرا لذاتك أولًا… وبعدها سترى العالم على حقيقته!

فالمتوهجون موجودون دائمًا داخل الزمن.. الفهم فقط هو من يكشف عنهم!

* محامى وكاتب مصرى

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »