رجائى عطية

فبصرك ‮ ‬اليوم حديد‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

تتعدد أسباب انكشاف الغطاء أمام الآدمي لو تفطن لما يمر به ولا يستوقفه.. كنت راقداً علي ظهري أتابع في جهاز »المونيتور« مسار القسطرة التي يمررها الخبير الفرنسي الماهر جان فاجيديه في شبكة الشرايين التاجية المحيطة بقلبي الذي أثخنته معي في رحلة الحياة.. لم تكن هذه هي المرة الأولي التي أجري فيها القسطرة العلاجية منذ أجريت التشخيصة الأولي في سبتمبر 1989 بمعرفة الصديق الأستاذ الدكتور الخبير المصري الرائع جلال السعيد تبعتها جراحة »الباي باس« في مستشفي القديس لوقا في هيوستن بالولايات المتحدة في 16 يوليو 1990.. مضي (11) عاما علي هذه الجراحة قبل أن تئن الشرايين التاجية، فلاحقها الدكتور السعيد بقسطرة علاجية ناجحة وضع فيها دعامتين للتوسعة علي اختناقين يضيقان علي مجري الدم.. ومن أيامها وصرت مواظبا علي هذه القسطرة العلاجية مع الدعامتين، كل سنتين.. فلم أكن مستجدا وأنا أتابع عمل الخبير الفرنسي علي شاشة »المونيتور« بأحد مستشفياتنا الكبري.. وبالاعتيـاد زال القلـق الذي يعتريني في البدايات، ولكن فجأة انقطع التيار الكهربائي، وانقطع »المونيتور« واضطر الطبيب الفرنسي للتوقف عن العمل.. وانحبست الأنفاس، بما فيها نفسي طبعا.. ولكن الدكتور فاجيديه كان أهدأ الجميع.. يبدو أن آلاف العمليات التي أجراها قد أكسبته إلي جوار الخبرة ثقة وطمأنينة وثباتاً.. في هذه الدقائق العشر التي مرت علي وكأنها عشرة قرون، كنت معلقاً بين السماء والأرض.. سلك القسطرة ناعم بمكانه بداخل الشرايين لا يزحزحه الخبير الفرنسي لأنه لم يعد يمكنه متابعته، وليس أمامه إلاّ أن يسحبه أو يصبر حتي عودة التيار الكهربائي المقطوع.. تنفست الصعداء مع الجميع حين عاد واستأنف الطبيب عمله، لأري بوضوح أن مصائرنا تبدو في لحظة معلقة علي شعرة.. هذه اللحظة ومضة فارقة ينكشف عنك فيها الغطاء فيبدو بصرك حديداً يري مالم يكن يراه.. مضي الطبيب يحرك سلك قسطرته بمهارة، وسمعته يطلب موافاته بالدعامة الأولي.. التقطت أذناي رقم المقاس المطلوب، وتابعت المساعدين وهم يبحثون عنه،لألتقط أنفاسي حين وجدوه.. ولكن ما للمقاسات ودعامات شرايين قلبي.. لقد عاد الطبيب الفرنسي يطلب مقاسا آخر للدعامة الثانية، وتابعت في الثانية كما تابعت في الأولي رحلة البحث عنه.. لم يرحني أنهم لم يعثروا له علي المقاس المطلوب بالضبط، فاستعاض عنه بمقاس قريب.. لا أدري لماذا ورد إلي خاطري في هذه اللحظات حيرتي حين لا أجد مقاس 42.5 لحذاء أعجبني، فأتماحك في نصف نمرة فوق أو تحت لأن الحذاء يروقني، ولا أحب أن يفوتني.. ولكن المقاس هنا مقاس  »دعامة« سوف تستقر بداخل الشرايين التاجية المحيطة بقلبي لتوسع المجري علي الدماء.. تري هل يمكن أن يرد عليها مايرد علي الأحذية من تليين لتتسع وتريح، أم أنها قد تحتاج شدّها علي »قالب« لتوسعتها إذا عصلجت ؟!..كنت أتابع بقلب واجف رحلة البحث عن المقاس ثم رحلة »الدعامة« وهي تدفع بالشرايين لتستقر في المكان المطلوب. وللمرة الثانية، بنفس العملية، ينكشف الغطاء الكثيف لأبصر كيف أننا في كل لحظة بيد السماء، تمنّ علينا إذا منت، وتحرمنا إذا ضنت، ولا مطمع لنا إلاّ في لطفها ورحمتها.
 
خرجت من غرفة العمليات وأنا أحمد الله عزّ وجل أن كشف عني الغطاء مرتين في برهة وجيزة، لأري في هذه اللحظات الفارقة ما قد تعزّ رؤيته في السنوات الطوال، وقد يمضي بنا العمر دون أن نراه إلاّ لحظة فراق الحياة التي فيها قال القرآن المجيد : »وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيوْمَ حَدِيدٌ «.
 

شارك الخبر مع أصدقائك